التمتع بالسلطة والقوة يورث صاحبه إغراءً يفوق وزنُه الجبالَ، ولا قدرة لأحد من البشر على مقاومة هذا الإغراء ـ الذي يتصل بطبيعة الإنسان ـ إلا من أوتي حظاً عظيماً من الإيمان والصدق والإلهام. هذه هي حال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، مع رعيته. فهذا الخليفة الراشدي العظيم، والقامة الإسلامية السامقة، أدهش العالم بعدله وسياسته وفطنته.

وقدرته الخلّاقة على إدارة شؤون الدولة بطريقة لم يفعلها إلا قلة قلائل جدا في التاريخ البشري المعروف. قضى قدر الله عز وجل أن يكون عمر بن الخطاب خليفة للمسلمين في وقت كانت فيه "خير أمة أخرجت للناس" منهمكة بأعمال الفتوحات ودعوة أمم الأرض إلى دين التوحيد، فكان عمر، رضي الله عنه وأرضاه، يصل ليله بنهاره، وهو يعمل عقله في كيفية نشر الإسلام، والحفاظ على القيم الإسلامية بين الجنود الفاتحين، وكذلك الشعوب الداخلة في الإسلام حديثا، وكم كان هذا الأمر يستلزم جهدا ووقتا وحكمة، في وقت تتسع وتكبر وتتطور فيه دولة الإسلام الفتية.

ولكن، ومع كل ذلك، فقد كان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حريصا كل الحرص على تقوى الله في كل صغيرة وكبيرة، فلقد كان الأساس عنده العدل وإرضاء الله عز وجل. وقد بلغ من ورعه وتقواه أن أنطقه الله عز وجل العبارة الخالدة التي مازالت تدهش ألباب عقلاء البشرية حتى الآن، عندما قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخفت أن أسأل عنها!

هذا الورع، رافقه تمتعه بقدرة قيادية هائلة حوت، فيما حوت من خصائص، سياسته الشرعية الرائعة التي قاد بها رعيته، ومن ذلك: الموقفُ الذي حصل له مع أحد المسلمين؛ عندما دخل عليه لينال نصيبه من بيت مال المسلمين، وعندما ظهرت عدم علامات الرضى على الرجل بعد أن شعر بأن العطاء قليل، وقد كان الرجل أعمى، راعى عمر النفسية البشرية، فأمر قائده أن يخرج به من الغرفة ويدخل مرة أخرى، ثم قدم للرجل العطاء بطريقة أخرى، كي يخرج هذا الرجل راضياً مطمئناً قرير العين من بيت خليفة المسلمين.

وهذه هي القصة كما جاءت في كتاب "أخبار الظراف والمتماجنين" لابن الجوزي: عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن جده، قال: كان عمر بن الخطاب يعدُّ للناس خِرَقاً وخُيوطاً؛ فإذا أعطى الرجل عطاءه في يده أعطاه خرقة وخيطا، وقال له: اربط ذهبك، وأصلح مُوَيْلَك، فإنك لا تدري كم يدوم هذا لك! فأُدخِل عليه رجل يُقاد (يعني أعمى معه من يقوده)؛ فأعطاه، فكأنه استقلَّه، فقال عمر لقائده: اخرج به؛ فخرج به، ففرشها، ثم دعاه، فقال: خذ هذه كلها؛ فجمعها، وخرج فرحا.