ما ترك الإسلام باباً إلا وعالجه، إما بحكم فقهي يوجب فيه أو يحظر، أو بأدب يندب له ويرغب فيه أو يكرهه. ومن آداب الإسلام وأخلاقه أن نحترم الكبير ونعطف على الصغير. لكن أولئك القوم الذين تحدث عنهم ابن الجوزي في "أخبار الظراف والمتاجنين" نسَوا أو تناسَوا هذا الخلق، ربما لبِطْنة غلبتهم، فملكت عليهم فؤادهم، لدرجة أنهم عندما جلسوا إلى الطعام رفقة صبي، راحوا يتنافسون فيما بينهم على القصعات، بينما الصبي تخونه قدراته وقوته على اللحاق بهم، فما كان منه إلا أن رفع سلاحه الوحيد المتبقي: دموعَه، ليلفت نظرهم، وبعد ذلك: لسانه بالتصريح لهم عن مصيبته فيهم. فلكأن ينطبق عليهم قول: صبيُّ القوم جائعهم!.

وإليكم القصة كما أوردها العلّامة ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

قعد صبيٌّ مع قوم يأكلون، فجعل يبكي، فقالوا: ما لك؟ قال: الطعام حارٌّ، قالوا: فدعه حتى يبرد، فقال: أنتم ما تدعونه.

وكم من إنسان لا تنفع معه همسة إشارة، ولا حتى ضربة عبارة، ومثل أولئك الناس، لا نصيب ولا حظَّ لمثل هذا الطفل المسكين معهم.