من خصائص ديننا الحنيف التي استحق بها أن يكون خلاصة الأديان السماوية وخاتمتها، وأن يكون وحده الدين الحق؛ أنه شامل لجميع جوانب حياة الإنسان ومحيط بها من أطرافها كلها، فهو يرسم علاقة الإنسان بربه عز وجل وينظمها في بعديها الظاهر والباطن، كما يحدد نمط الحياة الشخصية التي ينبغي للإنسان أن يعيشها ويحياها، فضلا عن نوع العلاقات التي تربطه بغيره، والتي تبدأ من علاقته بأسرته الصغيرة وتنتهي إلى علاقته بالإنسانية كلها.

وهذا الدين إذ يرسم هذه العلاقات كلها ويحدد ما يجب أن يكون عليه كل منها؛ تمتزج في حقيقته ثلاثة عناصر أساسية لا ينفك بعضها عن بعض، ولا يمكن لأحدها أن يوجد دون العنصرين الآخرين، ولا يُتصور من شخص أن تكتمل في شخصيته حقيقة الالتزام بالدين ما لم يحققها كلها، على الأقل في الحد الأدنى من كل منها. هذه العناصر الثلاثة هي: الإيمان والإسلام والإحسان.

فالإيمان هو التصديق والاعتقاد القلبي بوجود الله سبحانه وتعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، تصديقا لا يخالجه شك، واعتقادا لا يداخله ريب، وهو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عن الإيمان، فأجاب قائلا: «ان تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

والإسلام هو الممارسة الظاهرية لشعائر الدين وأحكامه العملية، ويتجلى ذلك على الأقل في الأداء العملي لأركانه الكبرى، وهي النطق بالشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. وهو كذلك المعنى الذي أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم للإسلام عندما سأله جبريل عليه السلام عنه، إذ أجاب قائلا: «الإسلام؛ أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا».

وأما الإحسان فهو الخيط الدقيق الرابط ما بين الاعتقاد القلبي والسلوك العملي، ويتحقق حين تتفاعل عناصر الإيمان مع شعائر الإسلام في حياة الإنسان، فتظهر وتتجلى صبغة الإيمان وحقيقته فيما يؤديه الإنسان من فرائض الإسلام وتطبيقاته العملية، وفي طبيعة التفاعل بين الإنسان وغيره من الناس ومن سائر المخلوقات.

وهو ما عبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام أبلغ تعبير وأصدقه، حينما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان، حيث أجاب قائلا: «ان تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، والعبادة هنا لا يراد بها خصوص الشعائر الإسلامية الكبرى، وإنما يراد بها حقيقة العبودية، التي هي الوصف الملازم للإنسان في علاقته بالله وبالناس وبالوجود كله.

هذه العناصر الثلاثة: الإيمان والإسلام والإحسان، ليست أجزاء يمكن الفصل بينها أو تمييزها عن بعضها. إنها في الواقع ثلاثة أوجه لشيء واحد، أو ثلاثة أسماء لحقيقة واحدة، فلا إيمان لمن لا تتجلى حقائقه في حياته الشخصية وفي علاقاته المختلفة، ولا إسلام لمن يكتفي بالممارسات الظاهرة دون أن يكون لها سند من الاعتقاد الراسخ والإيمان العميق، ولا إحسان لمن لا يعمل على المطابقة بين حقائق الإيمان التي يعتقدها بقلبه والتصرفات العملية التي يمارسها بجوارحه.

إن حقيقة الابتلاء والامتحان الذي كلف الله عز وجل الإنسان بالعمل على النجاح فيه، هو التحقق بالدين من خلال الجمع بين أبعاده الثلاثة.

وهذا الابتلاء ليس بالأمر السهل أو العمل اليسير، الذي يمكن أن يتحقق للإنسان لأول وهلة، أو بمجرد الرغبة، وإنما هو أمر شاق يتطلب عملا مستمرا ويقظة دائمة. ولأن الإنسان «خُلق ضعيفا»، ويعجز بنفسه أن ينجح في الامتحان، فقد تكفل له ربه سبحانه وتعالى أن ييسر عليه الأمر ويهون عليه الطريق ويوصله إلى بر الأمان، بشرط واحد هو أن يَجِدَّ ويجتهد ويخلص النية ويزكِّي نفسه ويصلح ما بينه وبين ربه وما بينه وبين الناس بقدر ما يستطيع. وذلك معنى الوعد الرباني في قوله سبحانه وتعالى: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» (العنكبوت: 69).