عندما يتغلغل الإيمان في دواخل الإنسان، ويملأ عليه قلبه وسمعه وبصره، تتفجر الثورة في نفس المؤمن، فتنطق سلوكا عمليا على سائر جوارحه، وتظهر معالمَ أخلاقية تجعل منه شامة بين نظرائه من الناس.فالمؤمن يحب الله تبارك وتعالى، ويطيعه في كل أمره، وينصاع عن رضى وحب لأحكامه، فيشعر بسعادة لا تعدلها سعادة وهو يؤدي أفعاله التعبدية. ولا يتأثر أداؤه لأعماله وسلوكياته الإيمانية بعارض يمس مصلحته أو سعادته، فهو مثلا لا يكذب بالمطلق، ولا يضعف أو يهون، فيتراجع عن مبدئه الإيمان إذا عرض له عارض من مصلحة أو منفعة دنيوية. وفي تاريخنا الإسلامي الحيّ شواهد خالدة على صدق المبدأ، والثبات على الطريقة، من ذلك الموقف الذي مرّ به الصحابي العظيم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أثناء هجرته مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يركب، وأبو بكر رَديفُه، وكان أبو بكر يُعرَف لاختلافه إلى الشام، فكان يمرّ بالقوم، فيقولون: من هذا بين يديك يا أبا بكر؟ فيقول: هذا يهديني.

أبو بكر الصديق في هذا الموقف كان مهددا في حياته، وملاحقا ومطاردا، ولو تناهى إلى علم الناس آنذاك أن من يرافقه هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكانت النهاية المحققة، والهلاك المحتوم، ولكنه مع كل ذلك، امتنع عن الوقوع في الكذب، واستخدم فطنته، وقال صدقا: "هذا يهديني"، لأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم حقا يديه إلى الحق والخير، وإلى رضوان الله تعالى، وإلى الصراط المستقيم، وإلى دخول الجنة بإذن الله تعالى وبرحمة منه عز وجل. وهذا دليل ساطع على علو مكانة الإيمان في قلب أبي بكر، وعلى عمق إيمانه بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتزامه بتوجيهات إمامه وقائده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا".

وفي الموطأ: عن صفوان بن سليم أنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيكون المؤمن جبانا؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن كذابا فقال لا".