الأمراض منها ما هو عضوي، ومنها ما هو معنوي يكون أخطر من العلل العضوية، لما يترتب عليه من الفساد على المبتلى به وعلى غيره. ومن تلك الأمراض داء الكبر الذي يصيب الأفراد ويلحق الضرر بالمجتمعات.

هو حالة نفسية باطنية، لها ظواهر تدل عليها، وهذه الحالة هي أن المتكبر يجد في نفسه أنه فوق الناس جميعا، أو فوق أناس معينين أو غير معينين، وقد يتجاوز المتكبر هذه الحالة فيعتقد أنه فوق الحق بما فيه قبول الرسالات السماوية ويتطاول على رب العالمين مقتديا في ذلك بإبليس والنمرود وفرعون وهامان وقارون، وعليه فهو فوق الأنظمة واللوائح والعدل والقانون، ولا يقبل من أحد حوارا أو نقاشا في حق أو باطل إلا فيما يوافق غروره، وقد أعطانا النبي صلى الله عليه وسلم تعريفا لهذا المرض فقال: (الكبر بطر الحق وغمط الناس) فهذه الجملة من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وضحت لنا أعراض هذا الداء وهي أن المتكبر تدفعه حالته النفسية إلى دفع الحق الواضح ورده على قائله مهما كان، بدون خجل ولا وجل، وفي سبيل ازدرائه للحق فإنه يغمط الناس بمعنى يحتقرهم ويتعالى عليهم وينتقصهم بحاله ومقاله.

وهذه بعض أضرار التكبر على من أصيب به:

* أن التكبر يعمي صاحبه عن الحق والهدى وآيات الله تعالى وذلك عقاب من الله تعالى له على اتخاذه نفسه معيارا للتعالي على الآخرين ورؤية الفضل عليهم بغير معيار معروف. قال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) سورة الأعراف، الآية (146) ومن صرفه الله عن الحق فمعنى ذلك استمرار حرمانه من كل خير.

* وكما يعمي الاستكبار صاحبه عن الآيات الربانية التي حصرت الهداية فيها فإنه يكون علامة على عدم تحقق الإيمان في قلب المبتلى به والعياذ بالله. قال الله تبارك وتعالى في معرض بيان سبب امتناع المستكبرين عن الإيمان: (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون) النحل الآية:(22) أي أن المانع لهم من قبول الحق وتحصيل الخير هو الاستكبار.

* ومن سوء عاقبة الكبر على صاحبه أن الله تعالى يطبع على قلبه حرمانا له من الخير حتى يستحق بذلك دخول النار عياذا بالله، قال الله تعالى في معرض ذكر المتكبرين على الحق المعاندين لرسل الله: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) سورة غافر الآية (35)، فما دفعهم للمجادلة بغير علم إلا الحرص على دفع الحق الذي سبق أنه منهج اتخذه المتكبرون وهو الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم ببطر الحق. ومن هنا كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن المتكبر أنه شر الناس، فقال: (ألا أخبركم بشر عباد الله؟ قالوا نعم، قال: (الفظ المستكبر).

وإن الناس ينفقون أموالهم لعلاج أمراض لا تدخل النار ولا تورث العار، فما بالهم لا يعالجون هذه الأمراض المعنوية الفتاكة. ويلاحظ أن هذا المرض الذي هو قرين الحسد قد استشرى في الناس وأدويته متوفرة بالمجان فنريد في المقال الآتي إن شاء الله أن نفتح صيدلية الكتاب والسنة لنتعرف على الجرعات المناسبة للعلاج الشافي من هذا المرض الخبيث.

*أستاذ مساعد بجامعة طيبة السعودية