صدر للدكتور محمد خلف الله كتاب بعنوان "الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة" يجمع فيه عددا من الدراسات التي عرضت في مؤتمر دولي سابق عام 1953، ويتناول الإسلام دينا وثقافة وفكرا وسلوكا. ويقع الكتاب في 575 صفحة من القطع المتوسط
ويقول خلف الله فإن بحوث ودراسات الكتاب تكشف أن المفكرين المعاصرين في البلاد الإسلامية يختلفون في تقديرهم لصلة الدين بالحياة، وصلة الشريعة بالتطورات الاجتماعية، متأثرين في هذا بالظروف الفكرية والسياسية القائمة في بلادهم، لافتًا إلى أن إظهار هذه الأبحاث في كتاب يهدف لأن تكون عونًا للعالم الإسلامي على أن يفهم بعضه بعضًا، وللعالم الغربي على أن يدرك العوامل الثقافية والروحية ذات الأثر الكبير في حياة الشعوب الإسلامية.
ومن الدراسات التي تضمّنها الكتاب: "فلسفة الحريات في الإسلام" لرئيس الهيئة العلمية في المملكة الأردنية الهاشمية في ذلك الوقت، عبد الله غوشة، أكد خلالها أن الإسلام عالج موضوع الحريات معالجة حكيمة ناجعة، وقال: أقر الإسلام حرية العقيدة وترك لكل فرد الحرية التامة في أن يبني عقيدته على ما يصل إليه عقله السليم ونظره الصحيح، وجعل أساس الإيمان وعماد التوحيد البحث والنظر والعقل والدليل؛ فالدين هداية اختيارية للناس، تعرض عليهم مؤيدة بالأدلة والبيانات والرسل مبشرين ومنذرين، والداعي لا سلطان له غير سلطان التذكير والموعظة الحسنة.
وأشارت الدراسة إلى أن الحرية الفكرية التي جاء بها الإسلام وحثّ عليها هي التي يكون الدافع إليها والغاية منها تحقيق المصلحة ودرء المفسدة وإحقاق الحق ورفع الظلم وإزهاق الباطل؛ أما الحرية التي يترتب عليها انحلال في كيان الأمة، أو فساد في خلق أبنائها أو عقائدهم أو التي تدعو إلى الفوضى والاضطراب وتخلق الفتن وتقوض العمران؛ فليست الحرية التي يدعو إليها الإسلام.
أما أستاذ العلاقات الأجنبية بجامعة برنستون ورئيس قسم اللغات والآداب الشرقية بها "كويلر يونج"، في دراسته المعنونة بـ"أثر الإسلام الثقافي في المسيحية"، فرأى أن الإسلام كان ذا أثر ثقافي عظيم في المسيحية، وهذا الأثر حصل في العصر الوسيط، ولكن منذ بضعة قرون تحول مجرى العلم والتقدم، فأصبح يجري من الغرب إلى الشرق، وليس هناك من علامات تنبئ بانعكاس هذا التيار؛ ولكن على الرغم من قوة هذا المد، فليس من المعقول لثقافة حية كثقافة الإسلام، يدين بها أكثر من خمس عدد سكان الأرض ألا يكون لها تأثير في الحضارة العالمية التي أخذت في الظهور والتكامل في العصر الحديث؛ ويمكن إجمال تلك التأثيرات في أمور ثلاثة، الأول "الوحدة الثقافية" فبين شعوب الإسلام المتعددة المختلفة مثال مشترك وأصول عقدية تقوم عليها وحدة في الثقافة، ومن واجب المسيحية أن تقدر هذه الظاهرة وتقلّدها.
والثاني أن للإسلام نصيبًا من الفضل فيما حققه من التسامح بين أجناس البشر، فقد حقق الإسلام نجاحًا فعليًا حقيقيًا في ميادين التسامح البشري؛ والفضل الثالث من أفضال الإسلام ذلك الروح الحقيقي من الديمقراطية في عالم محتاج إلى أن يطابق فعله قوله في هذه الناحية، فعلى الرغم من إيمان الديمقراطية الإسلامية بالزعامة السياسية الملهمة، وطابعها المذكر المستبد، فإنها تأخذ من الديمقراطية الروحية بنصيب عملي حقيقي.
تأثر المسلمين
"تأثر الأمم الإسلامية بمدنية الغرب ونظرية الاستمداد الثقافي"، دراسة أخرى تضمنها الكتاب لأستاذ اللغة العربية بجامعة شيكاجو الدكتور جوستاف فون جرونباوم، الذي أكد أن الحقائق السياسية والثقافية للمائة وخمسين سنة الأخيرة، جعلت من المحتم أن يكون للغرب وتصوراته التمدينية صدى في كل محاولة لتجديد النظر في الإسلام، رغم ما يشعر به القائمون بالمحاولة من خصوصية وانعزال.
وأوضح أن الذي يميز بين الاستمدادات الثقافية التي قام بها المسلمون في القرنين الثامن والتاسع الهجريين، وتلك التي قاموا بها في الحاضر هو الحالة السياسية المعكوسة، فالعصر العباسي الأول لم يستعر علم الفلك الهندي مثلاً أو حتى الإدارة الفارسية؛ لأنه رأى في تلك المنتجات الأجنبية الوسيلة الوحيدة لإعاقة التغلغل أو السيطرة السياسية أو الاقتصادية؛ فالإسلام لم يكن إذ ذاك في موقف دفاعي، ولكنه تبنى تلك الإمكانات الأجنبية لمصلحته هو، وإذا كان قد وقع تحت ضغط، فإنه لم يكن من الخارج، بينما الملابسات السياسية التي توجه النقل الثقافي في عصرنا الحاضر هي التي تجعله صعبًا من الوجهتين النفسية والاجتماعية.
