الأصمعي راوية العرب، وأحد كبار أئمة اللغة والشعر والعلم بالبلدان، إذا قال الكلام أسمع، وإذا أبان أفصح، عرف بكثرة تنقله بين البوادي، جامعاً للعلوم والمعارف. وكان يدخل على الخلفاء، فينثر عليهم من علومه وآدابه، فينثرون عليه من الأموال والعطايا، وقد سمّاه هارون الرشيد «شيطان الشعر».
بل إنه بلغ به العلم بالرواية والشعر مبلغاً جعل بعض المستشرقين يؤلفون فيه كتاباً، كالكتاب الذي اشتهر باسم «الأصمعيات» للمستشرق الألماني وليم أهلورد.
وعلى الرغم من علوم اللغة والشعر التي اكتنزها في قريحته وذاكرته، فإن الأصمعي لم يستنكف عن التعبير عن إعجابه بصبي مرّ به ذات يوم، فأخذ الأخير ينادي ببعض الكلمات القليلة، لكنها نالت إعجاب الأصمعي، وأثنى على الصبي الذي نطقها، قائلاً عنه إنه جمع بعبارته العربية. وهذه هي القصة:
قال الأصمعي: بينا أنا في بعض البوادي إذا أنا بصبي - أو قال: صبيةٍ - معه قِربةٌ قد غلبته فيها ماء، وهو ينادي: يا أبتِ، أدرك فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها. قال: فوالله قد جمع العربية في ثلاث.