التّوقير سلوك رفيع، وخلق إسلاميّ له أبعاد نفسيّة عميقة، فهو (مفتاح القلوب)، من تخلّق به مع النّاس نال محبّتهم واحترامهم له وإكبارهم لأخلاقه. ومن انحرف عن هذا السّلوك فاستخفّ بالآخرين أو أهانهم أو استهان بهم أو احتقرهم أو تجرّأ عليهم أو لم ينـزلهم منازلهم، فسيلقى احتقاراً واستهانة وابتعاداً عنه، وزهداً في معاشرته، وكرهاً لمخالطته
ومن هاب الرّجال تهيّبـــوه
ومن حقر الرّجال فلن يُهابا
إن (التوقير) جزء لا يتجزأ من تعاليم ديننا الحنيف ومبادئه السامية الصالحة لكل زمان ومكان، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا..) [مسند أحمد]. ولهذا الخُلق مظاهر وأساليب ومفردات، فمن مظاهره (إفشاء السلام) ولهذا أعلى النبي صلى الله عليه وسلم من شأنه، وجعله سبباً لدخول الجنة، فقال: «وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ». [أبو داود في سننه].
ومن مظاهره (الإفساح في المجلس)، و(نداء المرء بأحب الأسماء إليه)، وهذان الأمران يصفيان المودة، فقد أخرج الحاكم وغيره من حديث عثمان بن طلحة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاث يصفين لك ود أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه).
ومن مظاهره (الاحتفاء) بالضيف قولاً وفعلاً، لما لهذا الاحتفاء والترحيب من أثر نفسي عميق، وكلنا يعرف المثل العامي المشهور: (قابلني ولا تغديني)، وكلنا نردد قول الشاعر:
بشاشة وجه المرء خير من القرى
فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك
ومن مظاهره (الأسلوب الراقي) كأسلوب الاقتراح والعرْض، لا أسلوب الشرط والفرْض، فهذا النبي شعيب مع موسى عليهما السلام، يعرض عليه النكاح عرضاً ولم يفرضه فرضاً، فقال: (أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ) إرادة على سبيل الاقتراح والعرض، ولم يقل: (سأنكحك) على سبيل الإلزام والفرض، ثم قال: (إِحْدَى ابْنَتَيَّ)، فخيره ولم يفرض عليه واحدة بعينها، أما المهر فلما كان مفروضاً بحكم الشرع، لم يكن هناك سبيل لتخييره في أدائه، ومع ذلك وجد لهذا الأسلوب مكاناً، حيث خيره في الكيفية، فجعل له مدتين: ثمانيَ أو عشر سنوات، ولم يفرض مدة واحدة بعينها فيحرجه ولا مدة أطول من ذلك فيعجزه. فبمثل هذا (الأسلوب الراقي) تتجذر العلاقة ويكتب لها الخلود، وبفقدانه تضعف العلاقة ويكتب عليها بالزوال.
ومما يؤسف له أنّنا نجد من يفرّط في هذا الخلق الرفيع، ولا يعطيه حقه من التأثير النفسي والبعد الاجتماعي فقد لا يسلم على الآخرين، وقد لا يحتفي بالقادم عليه، وقد ينادي بعض الأشخاص من ذوي المكانات بأسمائهم المفردة دون لقب أو كنية، وقد يُخلف الوعد، وقد يرفع الصوت، وقد يجرح بكلامه، وقد ينتقد نقداً هداماً، وقد يستعمل أسلوب الأمر والإلزام والشرط والحساب. فكل هذه مظاهر تنم عن قلة (توقير) واحترام، ومن هنا جاء الوعيد النبوي الشديد على من فرّط فيه وخصوصاً مع الكبار، في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا..).
والتوقير بعد هذا وذاك، حق من حقوق الأخوة الإسلامية للجميع من الجميع، وهو من علامات رقي المجتمع وتحضره، ينبغي تفعيله من جميع أفراد المجتمع، كباراً وصغاراً، ومعلمين وطلاب، آباء وأبناء، إخوة وأخوات، وكذا بين الزوجين، وبين الأصدقاء والزملاء، وبين الخادم والمخدوم؛ لما له من أثر عميق في تقوية الصلات وتمتين العلاقات؛ فهو حاجة نفسية لا تقل عن الحاجة إلى الطعام أو الشراب، ولذلك صنفه عالم النفس الأميركي (أبراهام ماسلو Abraham Maslow) ضمن سلم الحاجات البشرية التي تضمنتها نظريته المعروفة (نظرية تدرج الحاجات).
*باحث في دائرة الشؤون الإسلامية بدبي.