يونس بن عبيد بن دينار العبدي مولاهم أبو عبيد البصري، من صغار التابعين وفضلائهم. كان تاجرًا، ومع انشغاله بالتجارة وبشئون السوق بلغ شأنًا عظيمًا في باب الزهد والورع.
قال عنه الذهبي: رأى أنس بن مالك، وحدث عن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وعكرمة، ونافع مولى ابن عمر، وجماعة، وحدث عنه خلق كثير.
قال علي بن المديني: له نحو مائتي حديث. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث.
اتخذ يونس بن عبيد شيخه الحسن البصري قدوة له، ونقل عنه كثيرًا من أقواله وأحواله في الزهد، وبلغ تأثره به شأنًا عظيمًا حتى إنه قال: «كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به، وإن لم ير عمله ولم يسمع كلامه».
تميزت شخصية يونس بن عبيد بملامح تربوية أهمها:
1 - القيام بواجب الوقت:
روى أهل السير عن سلام بن أبي مطيع قال: «ما كان يونس بأكثرهم صلاة ولا صومًا، ولكن لا والله ما حضر حق من حقوق الله إلا وهو متهيِّئ له».
2 - الورع:
بلغ يونس مبلغًا عظيمًا في باب الورع، حتى كان واحدًا ممن عرفوه وأوضحوا السبل إليه. روى أهل السير عن عبد الله بن السندي قال: جاء رجل إلى يونس بن عبيد، فقال له: أنت يونس بن عبيد؟ قال: نعم. قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك. قال: وما حاجتك؟ قال: أريد أن أسأل عن مسألة. قال: سل عما بدا لك. قال: أخبرني ما غاية الورع؟ قال: «محاسبة النفس مع كل طرفة عين، والخروج عن كل شبهة». قال: فأخبرني ما غاية الزهد؟ قال: «ترك الراحة».
لم يكن يونس بن عبيد من أولئك الذين يحسنون الكلام ولا يجيدون الفعل، بل كان فعله يصدّق قوله. ها نحن نجده يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا، فيقول عن نفسه: «إنه ليشتد عليّ أن أصيب الدرهم الواحد من حلال»، فهو يشتبه في أموال على الرغم من المنهج الصارم الذي اتبعه في معاملاته التجارية.
وورع يونس بن عبيد من أن يدخل ماله درهم حرام، جعله يتنازل عن أموال كثيرة بسبب الشبهة، يقول مسلم بن أبي مضر: «كانت بضاعة فجلسنا يومًا ننظر في حسابنا ويونس جالس، فلما فرغنا من حسابنا، قال يونس: كلمة تكلم بها فلان داخلة في حسابنا. قلنا: نعم. قال: لا حاجة لي في الربح، ردوا عليّ رأس مالي. وأخذ رأس ماله وترك ربحه أربعة آلاف».
3 - محاسبة النفس:
يقتدي يونس بن عبيد في محاسبة نفسه بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»، ويشكو حاله: «ما لي تضيع لي الدجاجة فأجدّ لها، وتفوتني الصلاة فلا أجدّ لها»، ويقصد بالصلاة هنا تكبيرة الإحرام وليست الصلاة كلها.
وفاته:
قال فهد بن حيان: (مات سنة تسع وثلاثين ومائة).
وقال محمد بن سعد: (مات يونس سنة أربعين ومائة) إخلاصه
يقول يونس بن عبيد عن نفسه: «إني لأعد مائة خصلة من خصال البر، ما فيَّ منها خصلةُ واحدة».
ويصاحب الإخلاص حياة يونس بن عبيد، فيدخل عليه أحدهم فيقول: «دخلت على يونس بن عبيد أيام الأضحى، فقال: خذ لنا كذا وكذا من شاة. ثم قال: والله ما أراه يتقبل مني شيئاً، قد خشيت أن أكون من أهل النار».
ويقول يونس بن عبيد وقد انصرف من عرفات: «لم أشك في الرحمة لولا أني كنت معهم، إني أخشى أنهم حرموا بسببي». عبارات تنطق بنفسها.
ويشتهر أمر يونس بن عبيد وورعه وصلاحه، فيراسله أهل العلم والعبادة، إلا أنه لا يقابل تلك الشهرة إلا بمزيد من التواضع ومقت النفس.