اشتهر العرب بسرعة البديهة، وبحضور الجواب، وبالنباهة، ومردّ ذلك إلى البيئة الصحراوية النقية التي نشؤوا فيها، فلم تلوث أفكارهم بلوثات المدنية في الأزمنة القديمة، فنشأ ناشئ الفتيان منهم على طيب الخصال، ونبل الصفات، فتمتع بذهن متفتح، وفكر متوقد، وفراسة نادرة، وعندما جاءهم الإسلام زادهم قوة في الفكر، وحدة في الذهن، وزيادة في النباهة. ويدل على هذا الأمر سيل من الكتب التي نقلت حكايات وروايات العرب السابقين، ومن ذلك قصة غلام صغير مع سيده البخيل. فقد تمتع الفتى ببداهة حاضرة، وإجابة سريعة، وعبارة مُسدّدة، استطاع بها أن يستعيد "رزقه" من الطعام الذي كاد السيد البخيل يحرمه ورفاقه منه.

وقد أورد هذه القصة العلّامة ابن الجوزي في كتابه الأثير "أخبار الظراف والمتماجنين".

ذبحَ رجلٌ بخيل دجاجةً، فدعاهُ صديقٌ له، فأمرَ بالدجاجةِ فرُفِعتْ، وباتَ عند صديقهِ، فلما جاء دعا بالدجاجة، فإذا هي منزوعةُ الفخذِ، فقال: مَنْ هذا الذي تعاطى فعقرَ؟ (اقتبس من قوله تعالى: "فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر" (القمر: 29).فامتنعوا أن يخبروه، فقال لقهرمانه: اقطع خبزهم ونفقاتهم، فوثب، غُليْمٌ له صغيرُ، وقال: "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا" (الأعراف: 155)، فردَّ عليهم خبزهم.