(العقل السّليم) يفكّر ويحاور ويبحث، ملتزماً منهجاً علمياً هو (منهج المسلّمات)، فهو ينطلق منه ليصل إلى نتائج يقينية لا تقبل الشّك، فمثلاً (الإمام أبو حامد الغزالي) و(مصطفى محمود) و(ديكارتDicart )، قد مروا بحالات شك دعتهم إلى البحث عن الحقيقة، فاتخذوا (منهج المسلّمات) وسيلة للوصول إليها، وقد عُرف هذا المنهج في الثقافة الغربية (بنظرية المعرفة)، والمنظّر لها هو (ديكارت Dicart)، الذي سلك هذا المنهج، واتخذ مسلّمة فلسفية تقول: (أنا أفكّر إذن أنا موجود).
يقول (الإمام الغزالي) في كتابه (المنقذ من الضلال): "إذا لم تكن مسلّمة، لم يمكن ترتيب الدليل". ولذلك فقد التزم في رحلته من الشك إلى اليقين (بمنهج المسلمات)، حيث بدأ بالبحث عن مسلّمة يقينية لا تقبل الشك، فاختبر (المحسوسات كحاسة البصر)، فلم يجدها مسلّمة يقينية يثق بها، لأنّها تحكم بعدم حركة الظلّ مع أنه يتحرك بحركة الشمس، ثمّ استقرّ يقينه إلى (الضرورات العقلية كالحكم على العشرة بأنها أكثر من الثلاثة)، فوثق بأنها مسلّمة يقينية، يقول: "ورجعت إلى )الضرورة العقلية( فهي مقبولة موثوق بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر".
وهذا (المنهج) هو ما يفتقده بعض مثقفي عصرنا، ممن ملؤوا مواقع الإنترنت والمنتديات والمدونات الشخصية وربما ألفوا في ذلك كتباً مستقلة، وخاضوا في قضايا قرآنية وقضايا الصحابة، وناقشوا الحدود التشريعية الربانية، وفكروا فيها بعقليتهم وثقافتهم، غير مستندين إلى (ثوابت ولا إلى مسلّمات)، فنتجت لديهم نتائج غير صحيحة، بل كانت نتائجهم تتصادم مع ثوابت أمتنا ومسلماتها وكتابها الخالد وعقيدتها السليمة.
ونحن المسلمين - لدينا (مسلمة جاهزة) قصّرتْ علينا طريق البحث والتفكير، ولا يختلف في ثبوتها اثنان مسلمان، هي (القرآن الكريم)، حيث إنّ التّسليم به يقودنا إلى التسليم (بالسنة النبوية) التي قال الله تعالى عنها: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .[النحل:44]. وقال عنها أيضاً: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). [الحشر:7].) فقد قادتنا (المسلّمة الأولى) إلى (مسلّمة ثانية) هي (السّنة النبوية). ثمّ إنّ المسلّمة الثّانية تقودنا إلى (مسلّمة ثالثة) هي: (سنة الخلفاء الراشدين)، التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّين الرَّاشِدِين تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْها بِالنَّوَاجِذ».[الترمذي وغيره]. وهكذا فكلّ مسلّمة يقينية تفضي بنا إلى مسلّمة يقينية أخرى، فَيَصِلُ الباحث من خلالها إلى حقائق ومسلّمات يقينية لا تقبل الشك.
وبقدر ما يجب على (العقل السّليم) أن يضع (مسلّمات) ينطلق منها في أيّ نشاط ذهني، يجب عليه قبله (الاقتناع بهذا المنهج)، كما أنه يجب بعده (الخضوع) لتلك المسلّمات، فيصبح الترتيب (منهج/ فمسلمة/ فخضوع)، فإنّ من يُسلّم بشيء ما، ثم لا يخضع له يكون قد ناقض نفسه وخالف عقله؛ لأنه وضع مسلّمة ينكرها متى شاء ويؤمن بها متى شاء، ومتى فعل ذلك فقد ألغى كونها مسلّمة يقينية لديه أو لدى محاوره، وصدق عليه قوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).[البقرة: 85].
وهذا المنهج - منهج المسلمات - قد استعمله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في حواره مع المشركين عندما انطلق معهم من مسلّمات يقينية لديهم، نستطيع تسميتها بـ(القواسم المشتركة) بين المتحاورين، فهم يؤمنون بأن الخالق هو الله كما قصّ علينا ذلك ربّنا جلّ جلاله فقال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). [العنكبوت:61]. فقد سألهم عن مسلَّمة يقينية لديهم ليقوم عليها الحوار بينهما. وقد كان هذا منه صلى الله عليه وسلم تأسيساً لأسلوب الحوار على منهج (المسلّمات)؛ لأنّ كلّ حوار لم توضع له مسلّمات (حوار عقيم)، وكلّ عقل لا يخضع للمسلّمات (عقل سقيم).
باحث بدائرة الشؤون الإسلامية بدبي.