كتب عمر بن عبدالعزيز الخليفة الراشد إلى أبي بكر بن محمد بالمدينة: "انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سُنَّةٍ ماضية، أو حديث عَمْرَةَ فاكتبه؛ فإني خفت دُروسَ العلم، وذهابَ أهلِه".
عَمْرة بنت عبدالرحمن بن سعْد بن زرارة بن عدس، الأنصاريَّة النجاريَّة المدنيَّة، الفقيهة. جدّها من أوائل الصحابة الأنصاريين، شقيق أسعد بن زرارة أحد النقباء المشهورين. أمها سالمة بنت حكيم بن هاشم بن قوالة. وأختها لأمها الصحابية أم هشام بنت حارثة بن النعمان. ولدت في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، حوالَي سنة 29هـ، وكانت ممن تربّين في حِجر السيدة عائشة، وتعلمت منها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. تزوَّجت عبدَالرحمن بن حارثة بن النعمان، فولدتْ له محمَّدًا الذي صار يُكنّى بأبي الرِّجال، وهو لَقب كان له منه نصيب.
شهادات العلماء
يقول الإمام الحافظ يحيى بن معين: عمرة بنت عبدالرحمن ثقة حجة.
وشهد الإمام المحدّث سفيان بن عيينة لها بالعلم فقال: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وعَمْرة بنت عبدالرحمن.
وقال الإمام الذهبي: كانت عالمة، فقيهة، حُجّة، كثيرة العلم، وحديثها كثير في دواوين الإسلام. سأل القاسمُ بن محمد الإمامَ الزهري: أراك تحرص على العلم، أفلا أدلك على وعائه؟ قال: بلى. قال: عليك بعمرة بنت عبدالرحمن؛ فإنها كانت في حِجر عائشة رضي الله عنها! قال الزهري: فأتيتها فوجدتها بحرًا لا ينضب.
روى عن عَمْرة الأئمة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه رحمهم الله جميعًا. وكان من تلاميذها: عروة بن الزبير، والإمام ابن شهاب الزهري، والإمام عمرو بن دينار.
ترعرعت عَمْرة عند عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها - التي ضمَّتها مع إخوتها وأخواتها إلى حِجْرها بعد وفاة والدهم، فنشأت في بيت التقوى والعلم؛ فلا عجب أن تقتبس من شمائلها، وأن تصبح عالمة المدينة وفقيهتها في عصرها.
ولم تتوقف عمرة في روايتها على السيدة عائشة رضي الله عنها، بل حدّثت عن أمهات المؤمنين والصحابيات، وكانت تأخذ عنهن كل صغيرة وكبيرة في السُّنَّة، منهن: السيدة أم سلمة، والصحابية أم هشام بنت حارثة الأنصارية، وحبيبة بنت سهل، وأم حبيبة، رضي الله عنهن أجمعين.
تعتبر عمرة من المُكْثرات في رواية الحديث؛ لما وهبها الله من حافظة قوية، وأغلب ما روت عمرة من أحاديث كان عن السيدة عائشة.
أخرج البخاري أن يحيى بن سعيد كان يذكر حديث عَمْرة للقاسم بن محمد فيقول له: (أتتك بالحديث على وجهه).
وفاتها
توفيت عمرة بنت عبدالرحمن وهي ابنة سبع وسبعين سنة، وقد اختلفوا في وفاتها؛ فقيل توفيت سنة ثمان وتسعين، وقيل توفيت في سنة ست ومئة. رضي الله تعالى عنها وأرضاها.