حفلت حياة السابقين من الأمم بالكثير من القصص التي تنم ثراء في المعارف والتجارب المتراكمة عبر العلاقات الإنسانية، وفي تراث المسلمين من الغنى بالأحداث واللطائف والنوادر والقصص ما يفوق ربما إلى حد كبير كنوز أي أمة أخرى، وإن كان الاطلاع على سير الأمم الأخرى من الحاجة التي توفر الفائدة المعرفية، وهو إغناء للذائقة الأدبية، وإرواء للروح في معرفة كيف عاشت الأمم الأخرى.
وتفاصيل تعاملاتها. الخليفة العباسي المأمون الذي يعرف بالخليفة السابع في الدولة العباسية، يتمتع بسيرة غنية، حفلت بالكثير من القصص والروايات مع أهل العلم والزهد والورع والتقى، ويروى عن المأمون أنه كان ليناً مع الناس حليماً رفيقاً، يذكر بن طاهر بن عبدالله وهو واحد من رجاله المقربين قال:
كنت عند المأمون فنادى بالخادم: يا غلام.. فلم يجبه أحد، ثم نادى ثانياً وصاح: يا غلام، فدخل غلام تركي وهو يقول: ما ينبغي للغلام أن يأكل ولا يشرب؟! كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام؟ فنكس المأمون رأسه طويلاً فما شككت أن يأمرني بضرب عنقه، ثم نظر إليَّ، وقال: يا عبدالله إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق خدمة.
وإنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتتحسن أخلاق خدمنا. ولكن هذه القصة ليست نهاية المطاف في علاقته بالرجل المقرب منه طاهر بن عبدالله، فيروى في كتب السير والتراجم والتاريخ عن أن العلاقة بين الرجلين ساءت في فترة ما لدرجة جعلت الخليفة يفكر بالبطش بطاهر بن عبدالله، وهو الأمر الذي لم يكن الأخير ليعرفه لولا الرسالة المبهمة التي وصلته من شخص صديق له كتب فيها عبارتين فقط:
أولاهم السلام، وثانيهما كلمة موسى، وعلى الرغم من محاولاته المضنية في فك هذا اللغز المحير، فإنه عجز عن أن يجد ضالته، وكان الحلّ عند جاريته التي كانت تتمتع بفطنة كبيرة، ففسرت له الشيفرة، وكانت السبب في نجاته من الهلاك، وهذه هي القصة كما وردت في كتاب أخبار الظراف والمتماجنين لصاحبه ابن الجوزي:
"غضب الخليفة العباسي المأمون على طاهر بن عبدالله، فأراد طاهرٌ أن يقصده، فورد كتابٌ له من صديقٍ له ليس فيه إلا السلام، وفي حاشيته يا موسى، فجعل يتأمَّله ولا يعلم معنى ذلك، وكانت له جارية فطنةٌ، فقالت: إنه يقول: {يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20]. فتثبط عن قصد المأمون".