قال الله تبارك وتعالى: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إّنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعَاً بَصِيراً». (النساء: 58).

لا يخفى على محب ولا على مبغض للإسلام عظم المكانة التي تحتلها الأخلاق في الإسلام، ومدى الترغيب والحض على التمتع بمكارم الأخلاق سواء على المستوى الفردي، أو على المستوى الجماعي كمجتمع وأمة، ومن أكبر مكارم الأخلاق الأمانة التي دعا إليها الإسلام وعدّها علامة على الإيمان: "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" (المؤمنون: 8). بل إن الأمانة أصل عظيم عظَّمه الإسلام، وجعله دعامة يقوم عليها دين المسلم، فمن لا أمانة له لا دين له.

ولا تقتصر الأمانة على أداء الحقوق للناس، بل إنها تتجاوز ذلك إلى اعتبار الدين وسائر أنواع العبادات والشعائر الإسلامية من الأمانة، فالمسلم يحافظ على صلواته بخشوع وحضور والتزام لأنه يؤدي أمانة ائتمنه الله تعالى عليها. وجوهر الأمانة في العبادات مثلا أنك تنطق لا إله إلا الله بلسانك، ثم تؤمن بها في قلبك، وتأتي بمقتضياتها من أفعال وأقوال وأخلاق بجوارحك سواء في الجهر أو في السر، أمام الناس أو في خلوتك، وحين تفعل ذلك فقد أديت الأمانة التي بينك وبين خالقك وربك سبحانه وتعالى.

سيادة الأمن

وهذه الأمانة التي وردت في الآية الكريمة هي جزء متلاحم - لا يتجزأ - من منظومة القيم والشمائل والمناقب والأخلاق العامة التي يريد الإسلام أن يبنيها في نفس الفرد والمجتمع، كي يسود الأمن والأمان في الأبدان والأنفس والأموال.

وبهذا المعنى فإن معنى الأمانة يتعدى علاقة الفرد بالفرد، إلى علاقة الفرد بالمجتمع، وعلاقة الفرد بالله تبارك وتعالى.

جميع الأمانات

وفي تفسيره لهذه الآية الكريمة، تحدث العلّامة بن كثير بشيء من الإسهاب في تفسيره الشهير، وهذا بعض مما قاله:

"يخبر تعالى أنه يأْمر بأداء الأمانات إلى أهلها. وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال: "أد الأمانة إِلَى من ائتمنك ولا تخن من خانك" رواه الإمام أحمد وأهل السُّنن وهو يعمّ جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق اللَّه عزَّ وجلَّ على عباده من الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والكفَّارات والنُّذور وغير ذلك ممَّا هو مؤتمن عليه لا يطّلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك ممَّا يؤتمنون به من غير اطّلاع بيّنة على ذلك، فأمر اللَّه عز وجل بأدائها فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أُخذ منه ذلك يوم القيامة كما ثبت في الحديث الصحيح أَن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يُقتصّ للشَّاة الجَمَّاء من القَرْنَاء".

البر والفاجر

وقال سُفْيَان الثَّوْرِيّ عن ابن أبي ليلى عن رجل عن ابن عبَّاس في الآية قال: هي مبهمة للبَرِّ والفاجر وقال محمَّد بن الحنفيَّة هي عامة للبَرِّ والفاجر وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي الضُّحى عن مسروق قال: قال أبيّ بن كعب: من الأمانات أن المرأة اؤتمنت على فرجها، وقال الربيع بن أنس: هي من الأمانات في ما بينك وبين الناس. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: "إن اللَّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"، قال: قال يدخل فيه وعظ السلطان النساء "يعني يوم العيد". وقد ذكر كثير من المفسرين أنَّ هذه الآية نزلت في شأْن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وسبب نزولها فيه لمَّا أخذ منه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه.