لابد للمسلمين من العودة إلى التربية القرآنية التي ربى عليها الرسول أصحابه، ومن السور القرآنية بالغة الأثر في هذا الجانب التربوي الإيماني سورة هود.

هل هناك سبب خاص يجعل الرسول يذكر سورة هود بقوله: "شيبتني هود وأخواتها"؟!

الذي يتلو هذه السورة سيجدها حفلت بتوجيهات واضحة حاسمة، موجهة إلى شخص الرسول، وتتناوله الآيات بضمير الخطاب المفرد، والمقصود أيضًا أمته كما قال تعالى: {وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} [هود: 112].

التوجيهات تطلب منه أن يصبر ولا يتنازل لقريش وغيرهم، ومن أهم مطالبهم أن يترك شيئًا مما أنزل عليه، يقول له الله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} [هود: 12]، ويقول له: {فَلاَتَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [هود: 17]، ثم يعده بأن العاقبة للمتقين.

إنه التصميم الجازم، إنه الوحي وإنه الدين وإنه الحق ولابد أن يقبل كله، ومن غير المسموح أن يجعل هذا القرآن عضين، وأن يأخذه الناس تفاريق حسب أهوائهم ورغباتهم.

وتتدرج بعد ذلك الآيات المخاطبة للرسول، وتعقيبًا على قصة نوح قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49].

{وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 115]. ثم التذكير بسنته في إهلاك القرى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117].

إن ضيق الصدر وكتمان بعض الحق مما يخطر بالبال حسب المعهود من طباع الناس، وحاشا الرسول أن يكتم شيئًا من الرسالة، ولكن القرآن ينبه ويحذر أن يجترح هذا الترك، وإن كان بعض ما يوحى إليه يشق سماعه على المشركين، ثم يقول له: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112]؛ أي الزم الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه، بالثبات عليه، وفي الوقت نفسه لا تطغوا فيه؛ فالإفراط فيه كالتفريط.

وفي ختام السورة يؤكد الطلب من الرسول أن يستمر في دعوته، ولا يتوانى ولا يتنازل {وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120].

كما حفلت السورة بذكر مدنيات بادت واندثرت لعصيانها لأمر ربها. إنه مشهد مأساوي، نوازل مريعة حلت بالقرون الخوالي والأمم السابقة، أمم مستكبرة تحتقر الضعفاء من المسلمين، ويصرون على اتباع آبائهم ولو كانوا لا يعقلون (قوم نوح)، وأمم غرتهم قوتهم وبنيانهم (قوم هود)، وأناس بطروا النعمة (ثمود)، بالاضافة الى آخرين انحرفوا عن الفطرة السليمة (قوم لوط)، فضلا عن الغارقين في الفساد الاقتصادي وأكل أموال الناس بالباطل (قوم شعيب)، إنها سنة كونية وقانون إلهي صارم.

إنه التحذير للمسلمين أن يتركوا بعض الوحي؛ إرضاء للذين يشنون كل يوم الغارات الثقافية على الإسلام وأهله، ويبرر بعض المسلمين هذا التنازل باسم (الاعتدال) و(الوسطية) التي هي تأويل المحكمات وقواطع الأدلة وإبعادها عن معانيها الصحيحة، وليست الوسطية التي هي الكمال، (واسطة العِقْد)؛ فالإسلام وسط بين الأديان التي انحرفت. لماذا يلح القرآن على التمسك بما (أوحي إليك) والاستمرار على الصراط السوي؛ لأن الانجرار إلى مطالب الذين لا يريدون الإسلام سوف يؤدي إلى أن يسكت الإنسان عن كثير من الآراء التي تتنافى وعقيدته، وعندئذٍ تنمحي الفوارق ويضعف الإيمان ويشحب، حتى يصبح ظلالاً باهتة.

ولا نتكلم هنا عن الاجتهاد الصحيح في كل حادثة طارئة من خلال منهج واضح سليم، ولكن عن هؤلاء الذين لا يميزون بين الانفتاح الصحيح والسليم وبين تسليم القلعة للمهاجمين، كما يفعل الجيش الخائن.

إن مطالب الذين لا يريدون للإسلام خيرًا لا تنتهي عند حد، فمن موضوع (النقاب) إلى حذف الآيات وبعض الأحاديث إلى تعطيل الحدود؛ حتى يجردوا المسلم ويدعوه هيكلاً عظميًّا، ومع ذلك لا يقبلون إلا بأن يفهم هذا المسلم الدين كما يريدون، ويطبقه حسب ما ينهجون.

ولذلك لابد أن ييأس الكفار من استجابة المسلمين لوساوسهم، خاصة حين يتلو المسلم هذه الآية {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24].

 

نقلا عن موقع «المسلم»