فرق كبير بين من يدعو ربّه كلّ يوم: (ربّنا لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا)، وبين من لسان حاله يقول: (هل من مزيد)، فإن امتلك وادياً تمنى الثّاني، وإن حصل على الثّاني تمنّى الثّالث!

فما سبب الفرق بين هاتين النّظرتين؟

إنّ السّبب يكمن في نظرة كلّ منهما للحياة، نظرة تقوم على التباين العقدي والفكري في النظر إلى كل مفردات الكون من حياة وموت وطبيعة ومأكل ومشرب.. ألخ، فالأوّل نظر إليها من خلال نصوص القرآن والسّنة، فقرأ في القرآن: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ). [الرحمن/26]. فعلم أنّه إلى فناء وزوال، وقرأ في السّنة: (الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر). [المستدرك 3/699]. فأيقن أنّه في سجن ما يلبث أن يخرج منه إلى النّعيم. فجعل سجنه مزرعة لآخرته، وجعل دنياه ميدان سباق، فهو يسابق في الخيرات، امتثالاً لقوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ). [البقرة/١٤٨]. وهكذا تسابق أصحاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم في الخيرات، فهذا سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، يسابق أبا بكر في الصّدقة، فيتصدّق بنصف ماله، ويظنّ أنّه سيسبق أبا بكر، فيأتي أبو بكر رضي الله عنه إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فيتصدق بماله كلّه.[ينظر:المستدرك1/574]. نعم، فإنّ من كانت نظرته إلى الحياة نابعةً من الكتاب والسنة، فإنّ ذلك ينعكس إيجاباً على سلوكه وفكره وأخلاقه وعمله ونشاطه وتخصّصه وفلسفته، فنجده إنساناً صالحاً، قنوعاً زاهداً ورعاً، يحب الخير ويدعو إليه، ويكره الشّر ويحذّر منه.

أثمان الأعمال عنده هي الحسنات الأخرويّة لا الأموال الدّنيوية، والمقابل الّذي يسعى إليه هو الجنّة لا الأرصدة البنكيّة، ولذلك لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَعِد الصحابة بالمال إن انتصروا أو استشهدوا، وإنما كان يعدهم بالجنّة، يقول لهم يوم بدر: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ». فيَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ، يَارَسُولَ اللهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ. ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ".[أخرجه مسلم 3/ 1509].

أما الآخر فنظرته إلى الحياة نظرة ماديّة، سوداويّة، يراها طويلة، وأمله فيها طويل، يظنّها مستقراً ومقاماً، ويقول دائماً: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً). [الكهف/٣٦]. فهي عنده آخرُ المطاف، وهي النهاية السّرمديّة، يعمل لها ومن أجلها، لا يرجو لقاء ربه، ولا يظنّ بعثاً ولا نشوراً، ولا حساباً، ولا عقاباً، فتنعكس تلك النظرة على سلوكياته وأخلاقه، وعمله، وقناعاته، وأفكاره، وتخصّصه، وفلسفته. فنجده ماديّاً طمّاعاً، جمّاعاً منّاعاً، معتدياً أثّاماً، كأنّه المذكور في قوله تعالى: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (.) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ).[القلم/12-13 ]. يرى الدنيا مادّة فقط، وغايته الحصول على المال لقضاء شهواته ورغباته وملذّاته، بكلّ طريقة وبكلّ وسيلة، لا يفرّق بين وسيلة وأخرى، فالغاية عنده تبرّر الوسيلة. حسب تعاليم النّظرية "الميكافيليّة".

الحياة في نظره آكل أو مأكول، ظالم أو مظلوم، قاتل أو مقتول. كأنه يطبق قول الشّاعر الجاهليّ: (ومنْ لمْ يذدْ عن حوضه بسلاحه * يهدّمْ، ومن لا يظلمِ النّاس يُظلمِ). فلا مساءلة بعد الموت - في نظره - ولا محاسبة، غايته وهدفه العلوّ في الأرض كسلفه فرعون، الذي (عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ). [القصص/4].

وعلى عكسه المؤمن، فنجده يحاسب نفسه ويحاكمها ويقاضيها، ويتعامل مع الحياة على أنّه فيها غريبٌ، عابرُ سبيل، قصيرُ الأمل، إذا أصبح لم يؤمّل في المساء، ديدنه مقولة ابن عمر رضي الله عنهما: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء). [البخاري 5/2358]. يرى حياته أيّاماً معدودة، بل ثواني محدودة، يتمثل قول شوقي:

دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له:

إنَّ الحياةَ دقـــائقٌ وثواني

فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها

فالذّكرُ للإنسان عُمرٌ ثـاني

باحث في دائرة الشؤون الإسلامية في دبي.