لا يكاد يمر يوم من دون أن تسمع القدس الشريف صرخاتها على امتداد العالم الإسلامي من سياط الاحتلال الصهيوني الذي يدمي جسدها الطاهر، فبالإضافة إلى الهجمة الشرسة على المسجد الأقصى المبارك، مسرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يواجه المقدسيون عزلة تفرض عليهم شعوراً بالوحشة القاتلة، وهم يرون التحكم الصهيوني بهم، والتضييق عليهم، ومحاولة قطع الصلة بصورة جذرية بينهم وبين مدينتهم المقدسة من خلال العمل على دفعهم إلى الهجرة منها دون فتح باب العودة إليها، وكذلك محاربتهم في أرزاقهم ومعايشهم.

وفوق هذا وذاك يأتي شبح الاستيطان الصهيوني اليهودي ليترك هالة سوداء فوق مستقبل مدينة المسلمين المقدسة. وكل ذلك يحدث على مرأى ومسمع من العالم العربي والإسلامي الذي يكتفي بالمتابعة والمراقبة.. هذه هي النفثات التي أفرج عنها سماحة الشيخ الدكتور عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس في حواره مع "البيان"، والذي صرّح فيه بأن القدس مدينة منسية ومهملة، وتعيش على هامش اهتمامات العرب والمسلمين، كما في الحوار التالي:

كيف يبدو واقع المدينة المقدسة هذه الأيام؟

كما هو معلوم أن مدينة القدس تئن تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 ميلادي وحتى يومنا هذا، وأنها لا تزال تتعرض للتهويد من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي استغلت وتستغل الخلاف الفلسطيني/ الفلسطيني بأفضل طريقة بالنسبة إليها، وبأسوأ حال بالنسبة إلينا، ويزيد الطين بلّة انشغال العالم العربي في مشاكله الداخلية، ولا يخفى أن التهويد قد شمل الحجر والشجر من مصادرة للأراضي وبناء للمستوطنات (المستعمرات) السرطانية عليها.

 كما تشمل عملية التهويد "الإنسان" المقدسي الفلسطيني المرابط في هذه المدينة المباركة، فالإنسان مهدد بالإبعاد عن بلده أو بالاعتقال أو بفرض الغرامات الباهظة حتى يضطر للهجرة، وملاحقة موظفي الضرائب للتجار، ولا يخفى ما يتعرض له المسجد الأقصى المبارك من انتهاكات يومية من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة الذين يقتحمون ساحات المسجد التي هي جزء لا يتجزأ من المسجد، وبحماية الشرطة الإسرائيلية.

 

شدّ الرحال

ما الجهود والأنشطة التي تنفذها الهيئة الإسلامية والمؤسسات الأخرى لحماية المقدسات والحفاظ عليها وتعزيز صمود المواطنين؟

إن الأخطار المحدقة بالمقدسات هي أكبر من حجمنا ومن طاقاتنا، لذلك نقول للعرب والمسلمين خارج فلسطين وبشكل مستمر: لا تتركونا وحدنا. كما أن الهيئة الإسلامية العليا والمؤسسات الأخرى في القدس تحث المواطنين من سائر المناطق الفلسطينية بشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك في جميع الأوقات بهدف الصلاة فيه والحفاظ عليه، وصد هجمات الجماعات اليهودية المتطرفة، وذلك من خلال خطب الجمع وإصدار البيانات وعقد المؤتمرات الصحافية ومن خلال وسائل الإعلام.

هذا وقد سبق وأن أصدرنا فتوى شرعية مفادها: أن مَنْ يتوجه إلى المسجد الأقصى المبارك ويمنع على الحواجز العسكرية، فإنه يصلي حيث يمنع، وله ثواب من يصلي في الأقصى. هذه هي الإمكانات المتاحة، مع الإشارة إلى أن شعبنا المرابط قدّم مئات الشهداء في سبيل الدفاع عن الأقصى، والقيام بالمسيرات والمظاهرات والاحتجاجات على إجراءات الاحتلال. أما تعزيز صمود المقدسيين فلا يوجد أي دعم له، ومع ذلك فهم ثابتون صابرون مرابطون.

والمعلوم أنه لا توجد لمدينة القدس ميزانية خاصة بها، وأن مؤتمر القمة العربية الأخير الذي عقد في مدينة (سرت) بليبيا قد قرر رصد 500 مليون دولار أميركي (نصف مليار) لهذه المدينة المسكينة المنسية، ولكن لم ينفذ هذا القرار!

 

حصار عسكري

كيف تقوم إسرائيل بالتضييق على المواطنين ومنعهم من حرية العبادة، خاصة أهالي الضفة الغربية، ما الوسائل التي تتبعها؟

إن مدينة القدس محاصرة عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية ومن خلال الطرق الالتفافية، وكذلك بالجدار العنصري العازل بحيث لا يسمح لمَنْ هم خارج القدس بالدخول إليها، وبالتالي يحرمون من الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، أضف إلى ذلك تحديد الأعمار بالنسبة إلى أهل القدس، وبخاصة أيام الجمع، فمن كان عمره أقل من خمسين عاماً لا يسمح له بدخول الأقصى المبارك.

أما بالنسبة إلى سكان الضفة الغربية، فلا يسمح لهم طيلة أشهر السنة باستثناء شهر رمضان المبارك، فإنه يسمح لمن يزيد عمره على خمسين عاماً بدخول الأقصى، وذلك في أيام الجمع فقط.

كيف تقيمون حجم التحديات والمخاطر التي تواجهها المدينة؟

المخاطر والتحديات كثيرة ومتعددة، وعلى جميع الأصعدة، وتصب في تهويد القدس، ومنها: مصادرة الأراضي، ومنع إعطاء رخص للبناء، وهدم منازل المواطنين بحجة عدم الترخيص، وفرض المناهج الإسرائيلية في مدارس القدس، وفرض الضرائب الباهظة على المحلات التجارية.

 

خطوات مطلوبة

هل تحظى القدس ومقدساتها بالدعم الكافي من قبل السلطة الفلسطينية، وأيضا عربياً لحمايتها من التطرف الإسرائيلي؟

كما هو معروف فإن موضوع مدينة القدس مؤجل حسب اتفاقية أوسلو، وقد استغلت السلطات الإسرائيلية المحتلة هذا الاتفاق أبشع استغلال، ومنعت السلطة الفلسطينية من القيام بأي نشاط أو أي عمل في مدينة القدس، ولا أجد أي حرج في القول لك إن مدينة القدس مهملة ومنسية من العرب والمسلمين أيضاً.

برأيك ما المطلوب الآن لحماية المقدسات في المدينة؟

مطلوب خطوات عدة، أبرزها: تنفيذ قرار مؤتمر القمة الأخير الذي عقد في مدينة (سرت) في ليبيا، والذي يتعلق بوضع ميزانية لمدينة القدس بخمسمئة مليون دولار أميركي. وأرى أن هذا المبلغ هو مبلغ زهيد جداً، إذا ما قورن بالمساعدات التي تُقدم للسلطات الإسرائيلية المحتلة من قبل اللوبي الصهيوني العالمي لتهويد مدينة القدس!

وكذلك ينبغي على الدول العربية التي لديها تمثيل دبلوماسي مع إسرائيل أن تمارس ضغطها السياسي والدبلوماسي على سلطات الاحتلال حتى تتوقف عن إجراءاتها التعسفية والعدوانية ضد المقدسات، وبخاصة المسجد الأقصى المبارك. والأمر الثالث المطلوب أن الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية جميعها ملزمة بالعمل متحدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس؛ لأن وجود الاحتلال سيعرض هذه المدينة إلى الأخطار وإلى التهويد.