قال عز وجل: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ". (التوبة: 128). لم يركز دين، أو تشريع، أو مجتمع، أو قوم على قضية الأخلاق مثل ما فعل الإسلام. فالأخلاق تحتل منزلة عظيمة، ومكانة عالية، وحجر الزاوية في البناء الإنساني الذي يريد دين الفطرة أن يصوغه.

وكي لا تكون دعوة الإسلام إلى حسن الخلق منقطعة عن المرجع، جاء حسن الخلق في أبهى معانيه، وأكمل صوره، متمثلاً في شخصية نبي الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لم يوجد شخص في تاريخ الإنسانية قاطبة تم توثيق حياته بتفاصيلها ودقائقها، مثل ما وثِّقت حياته صلى الله عليه وآله وسلم، وفي هذا أكبر دليل على الإرادة الربانية لهذا النبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم كي يكون دفتراً أبيض ناصعاً بالنور والبهاء، تستلهم الإنسانية وخصوصاً المسلمون منه معاني النبل والسمو الإنساني، فقد كان يتحرك تحت مرأى العالم نائماً ومستيقظاً، صغيراً وكبيراً، مريضاً وصحيحاً، في بيته، ومع أصحابه، وفي خلوته، كل ذلك من أجل أن ترى البشرية الإعجاز الربّاني الذي تمثل في خُلُقه صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أجل أن ينقاد أولو الألباب إلى دعوة الحق، فيفوزوا ويفلحوا.

ولذلك جاءت الآية الكريمة في سورة التوبة تتحدث عن بعض أوجه مناقبه وشمائله وخصائصه العظيمة صلى الله عليه وآله وسلم، وتمتع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا المستوى العالي من حسن الخلق يشكل بذاته دعوة عملية لكل من يؤمن به ويتبعه إلى أن يرتقي بخلقه، ويعلو بها.

 

صياغة ربّانية

من تلك الخصائص والشمائل تفكيره بالمسلمين بل بالبشرية جمعاء وخوفه عليها من الوقوع في المشقة والعَنَت. وكذلك الحرص الشديد على وصول أنوار الهداية والتوحيد لكل الناس، استنقاذاً لهم من هلاك محقق في حال ابتعادهم عن رسالة الله تبارك وتعالى لهم. ثم تتوج هذه الخصال في الآية الكريمة بالرأفة والرحمة التي يختزنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين، وشدة حرصه عليهم، وعلى ألا يمسهم أي مكروه.

وبهذه الصفات الجليلة، التي جزء من شخصيته الفذّة التي صاغها المولى عزّ وجلّ، تتمثل القدوة البشرية في شخصه الكريم، ولذلك تمتع الصحابة من بعده بحسن الخلق، والمناقب والشمائل الإسلامية، لأنهم رأوها سلوكاً عملياً متحققاً في أقوال نبيهم، صلى الله عليه وآله وسلم، وأفعاله، وتقريراته، والأمثلة على عِظَمِ أخلاقه وسموه الإنساني أكثر من أن تحصى.

 

نكاح لا سفاح

وقد علّق المفسر العظيم ابن كثير على الآية الكريمة، كاتباً: "يقول تعالى ممتَنًّاً عَلَى المؤمنين بما أرسل إليهِم رسولًا من أنفسهم أَي من جنسهم وعلى لغتهم، كَمَا قال إبراهيم عليه السلام: "ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم"، وقال تعالى: "لَقَدْ مَنَّ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسهمْ"، وقال: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" أي منكم وبلغتكم كما قال جعفر بن أبي طالب رضي اللَّه عنه للنَّجاشيّ والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إِنَّ اللَّه بعث فينا رسولًا منَّا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصِدْقه وأمانته. حَدَّثَنَا اِبْن أَحْمَد يُوسُف بْن هَارُون بْن زِيَاد حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عُمَر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد قَالَ: أَشْهَد عَلَى أَبِي لَحَدَّثني عن أبيه عن جدّه عن عليّ قَال: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَرَجْت مِنْ نِكَاح وَلَمْ أَخْرُج مِنْ سِفَاح مِنْ لَدُنْ آدَم إِلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وَأُمِّي لَمْ يَمَسّنِي مِنْ سِفَاح الْجَاهِلِيَّة شَيْء".

وقوله تعالَى: "عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ" أي يعزّ عليه الشَّيء الَّذي يعْنِت أُمَّته ويشقّ عليها ولهذا جاء في الحديث المرويّ من طرق عنه أنَّه قال: "بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَة". وقوله عز وجل: "حَرِيص عَلَيْكُمْ" أي على هدايتكم ووصول النَّفع الدنيوي والأُخروي إليكم.

وقوله: "بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم" كقوله: "وَاخْفِضْ جنَاحك لِمَنْ اِتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْك فَقُلْ إِنِّي بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ وَتَوَكَّلَ عَلَى الْعَزِيز الرَّحِيم"». انتهى.

 

من أنفسكم

 

علق القرطبي على عبارة "من أنفسكم"، كاتباً: "من أنفسكم" يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ مِنْ صَمِيم الْعَرَب وَخَالِصهَا. وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع قَالَ: سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: (إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى كِنَانَة مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَة وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْش بَنِي هَاشِم وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِم). وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط الْمَكِّيّ مِنْ "أَنْفَسكُمْ" بِفَتْحِ الْفَاء مِنْ النَّفَاسَة; وَرُوِيَتْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ فَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا، أَيْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَشْرَفكُمْ وَأَفْضَلكُمْ، مِنْ قَوْلك: شَيْء نَفِيس إِذَا كَانَ مَرْغُوبًا فِيهِ. وَقِيلَ: مِنْ أَنْفُسكُمْ أَيْ أَكْثَركُمْ طَاعَة.