كم تعج الحياة بالقصص الأليمة، وكم من مرّة يكون الطفل ضحية لأم مهملة، أو أب مشغول، أو معلّم قاس، أو بيئة مؤذية. فبين جنبات المجتمعات قصص لا تنتهي من الأخطاء التي يقع فيها الكبار، ويدفع ثمنها الصغار. ولكن بعض الأطفال يمتلكون من الفطنة والنباهة، ما هو كفيل بأن يوجه بوصلة العائلة إلى الاتجاه الصحيح، ومن هؤلاء ذلك الطفل الذي أحرج أباه، ووضعه في خانة جعلته يخجل من نفسه على أفعاله تجاه ابنه. وعلى الرغم من أن هذا الأب أمضى وقتاً طويلًا في إهماله لابنه، ملتفتاً إلى الدنيا، وإلى العمل، ومعتقداً أن ذلك العمل يوفر لأبنائه مستقبلاً أفضل، إلا أن الابن الفطن كان أكثر حكمة من أبيه، وتصرف بطريقة أفصحت للوالد عن حقيقة كان يكابدها الولد دون أن يشعر به الوالد وهي أنه "ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان".

ليس المهم أن تكون هذه القصة حقيقية أو وهمية، لكن المهم فيها هو ذلك المضمون العميق، والفكرة الموحية التي يغفل عنها كثير من الآباء، فتراهم يضلون الطريق وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

دخل الطفل على والده الذي أنهكه العمل، فمن الصباح إلى المساء وهو يتابع مشاريعه ومقاولاته، وليس عنده وقت للمكوث في البيت إلا للأكل أو النوم.

تقدم الطفل من الأب وسأله ببراءة الطفولة: لماذا يا أبي لم تعد تلعب معي وتقول لي قصة، فقد اشتقت لقصصك واللعب معك، فما رأيك أن تلعب معي اليوم قليلاً وتقول لي قصة؟

بنزق الرجل الذي شغلته الدنيا، يرد الأب، قائلًا: يا ولدي أنا لم يعد عندي متسع من الوقت للعب وضياع الوقت، فعندي من الأعمال الشيء الكثير ووقتي ثمين، ولا أستطيع أن أضحي به من أجل اللعب، أو سرد قصة.

لكن الطفل كان صاحب حاجة عند أبيه، وألحّ في طلب حاجته من ذلك الأب المنشغل عنه، فقال لأبيه: أعطني فقط ساعة من وقتك، فأنا مشتاق لك يا أبي.

يزداد نزق الأب ويقول: يا ولدي الحبيب أنا أعمل وأكدح من أجلكم، والساعة التي تريدني أن أقضيها معك أستطيع أن أكسب فيها ما لا يقل عن 100 ريال، ليس لدي وقت لأضيعه معك، هيا اذهب والعب مع أمك.

وكانت تلك الكلمات خاتمة المحادثة القصيرة بين الطفل الكسير وأبيه المشغول، تمضي الأيام ويزداد انشغال الأب. وفي أحد الأيام يرى الطفل باب المكتب مفتوحاً فيدخل على أبيه، ثم يطلب منه، قائلًا: أعطني يا أبي 5 ريالات.

الأب: لماذا؟ فأنا أعطيك كل يوم 5 ريالات، ماذا تصنع بها؟ هيا اغرب عن وجهي، لن أعطيك الآن شيئاً.

يذهب الابن وهو حزين القلب، منكسر الفؤاد، وهنا يستيقظ الأب جزئياً، ويعود إليه شيء من حنان الأبوة، ليفكر فيما فعله مع ابنه، ويقرر أن يذهب إلى غرفته لكي يراضيه، ويعطيه الـ 5 ريالات.

فرح الطفل بهذه الريالات فرحاً عظيماً، حيث توجه إلى سريره ورفع وسادته، وجمع النقود التي تحتها، وبدأ يرتبها!

عندها تساءل الأب في دهشة، وهو يرى ابنه يجمع المال الذي يدخره، قائلاً: كيف تسألني وعندك هذه النقود؟ الطفل: كنت أجمع ما تعطيني للفسحة في الأيام السابقة، ولم يبق إلا خمسة ريالات لتكتمل المائة ريال، والآن خذ يا أبي هذه 100 ريال وأعطني ساعة من وقتك.