قال تبارك وتعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا. (النساء: 36).

ربما لا يوجد مسلم بالغ عاقل لا يعرف قصة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع جاره اليهودي الذي كان يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشد الإيذاء برمي القمامة أمام باب بيته وما يترتب على ذلك من روائح كريهة مؤذية، ومنظر قبيح تأباه النفس، ومع كل ذلك عرفنا كيف عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الجار اليهودي المؤذي في بيته عندما تغيّب عن رمي الزبالة مرّة واحدة، مطمئنا عليه على سبب غيابه. هذه القصة نقرؤها ونتداولها على ألسنتنا بشكل دائم، ولكن رصيدها من واقعنا العملي يكاد يقترب من الصفر، فقليل منّا من يفقهها في واقعه العملي، بل إن السلوك اليومي لهذا الكثير منا إلا من رحم ربي يناقض واقع القصة النبوية، فلم يعد للجار مكانة، ولا حتى حرمة، وصار الجار يصرخ مستغيثا من أذى جاره. وهذا كله نابع من جعل الناس أحكام الإسلام وراء ظهورهم، وقصر هذا الدين العظيم على الصلاة والصيام وبعض العبادات الظاهرة، معتقدين بذلك أنهم يقومون بما هو عليهم.

وفي الآية الكريمة أعلاه نص قرآني واضح الدلالة على معاملة الجيران بإحسان، هذا الإحسان الذي عطفه الله تبارك وتعالى على الإحسان بالوالدين واليتامى والمساكين وابن السبيل، بل إن الله عز وجل عدد لنا كل أنواع الجيران: الجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب. وعلى الرغم من اختلاف أهل التأويل في طبيعة الجار المقصود بالجُنُب والجَنْب، فإن إحاطة الآية بكل أنواع الجيران دليل ساطع على عظم قدر ومكانة وأهمية الجار.

 

وصيّة

وفي ذلك يقول ابن كثير: الجار ذي القربى يعني الذي بينك وبينه قرابة والجار الْجُنُب الذي ليس بينك وبينه قرابة. انتهى.

ويروي ابن كثير عن جمع من أهل التأويل أن: "والجار ذي القربى" يعني الجار المسلم، "والجار الْجُنُب" يعني اليهودي والنصراني والرفيق في السفر.

وقد ورد في السنّة النبوية المطهرة أحاديث عدة شددت على إكرام الجار وحسن معاملته منها ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".

وكذلك ما أخرجه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "خير الأصحاب عند اللَّه خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند اللَّه خيرهم لجاره".

وفي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي هي شرح وتفسير وتطبيق لكتاب الله تبارك وتعالى دعوة إلى العناية بالجار تسمو بالإنسان إلى منزلة لا يمكن لأحد أن يشغلها إلا المؤمن بالله تعالى المتمسك بأوامره، والمنتهي عن نواهيه، من ذلك ما أخرجه الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يشبع الرجل دون جاره".

إلى هذا الحدّ وصل التشريع الإسلامي الذي يريد أن يحقق أبهى صور التكافل والتعايش في المجتمع الواحد، ذلك المجتمع الذي يأمن فيه الإنسان على نفسه وأعراضه وأمواله في ظل أحكام ربّانية ما جاءت إلا لخيره، ولتحقيق أقصى درجات الكمال في السعادة والراحة.