لم تكن تلميذتي ممن اعتدن على التغيب من المحاضرات، قمت بالسؤال عنها، فعرفت أن جدها قد ألم به مرض، وهي في حالة حزن شديد عليه، ولذا أقامت معه في مستشفاه.

عندما عادت كان أول سؤال لها عن حالة جدها، وكان لابد من التخفيف عنها، ولم أجد بداً من الحديث عن التفاؤل. وكان أول ما قلت: لا بأس، طهور إن شاء الله، وهو باب في التفاؤل بشفاء المريض وزوال ألمه ووجعه، فالأوقات العصيبة لا تستمر الى الأبد، والأقوياء يستمرون، في الوقت الذي رددت مبدأً من مبادئ القرآن، وهو إلزام الأبناء بحسن معاملة الآباء وخفض جناح اللطف والرحمة لهم، وهو مبدأ إنساني غير ناظر الى طبيعة خاصة أو عُرف معين.

وأكبر أسباب التفاؤل: النظر الى عطاء الله عز وجل بعين الرضا. قال تعالى (وسخر لكم ما في السموات والأرض جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الجاثية: 12، ويقول (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الإسراء: 70. فالقرآن يدعو الإنسان الى الإقبال على الحياة الدنيا للتمتع بطيباتها والاستفادة من نعيمها على أن يقف قبل ذلك على حقيقة هويتها.

ومن أسباب التفاؤل: دعوة الكتاب والسنة الى التيسير على النفس، ومن ذلك قوله تعالى (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) النساء: 28، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "إن الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" رواه البخاري. وقوله تعالى (يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) آل عمران:171.

والتفاؤل هو باب من أبواب حسن الظن بالله، من بيده الخلق والرزق والشفاء، ولذا فالمؤمن صابر وشكور، وهما صفتان يتميز بهما عن غيره أثناء تعامله مع ظروف الحياة وصعوباتها فالصبر والشكر يجعلان المؤمن أكثر تفاؤلاً، لأنه يدرك أن الله معه، وأن المستقبل له، فلا يحزن على شيء فاته ولا يخاف من شيء سيأتيه، قال تعالى (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) يونس:62-63.

من الصفات التى حببها اللهُ رسوله صفة التفاؤل، إذ كان متفائلا في كل أحواله وأموره، بل في مواقفه صلى الله عليه وسلم تفاؤل ورجاء وحسن ظن بالله، بعيدة عن التشاؤم الذي لا يأتي بخير أبداً، وسأذكر باختصار بعض المواقف للاقتداء به صلى الله عليه وسلم:

1ـ الاضطهادات: رأت قريش أن محمداً لا يصرفه عن دعوته شيء، فاستخدموا السخرية والتحقير والاستهزاء والتكذيب والتشويه والدعايات الكاذبة والمساومات، بل ذهبوا الى المقاطعة العامة، وهنا لابد أن يقف الحليم وعقلاء الرجال ويتساءلوا: ما هي عوامل الثبات، وكيف صبر المسلمون على هذه الاضطهادات التي تقشعر لسماعها الجلود وترجف لها الأفئدة؟ هناك أسباب منها: الإيمان بالله وحده ومعرفته حق المعرفة، وقيادة تهوي إليها الأفئدة ، وشعور بالمسؤولية، وإيمان بالآخرة، وقرآن يتنزل يثير مشاعر المسلمين ونوازعهم على الصبر والتجلد. ثم هناك سبب آخر، لا يقل أهمية عن الأسباب الماضية، وهو: البشارات "التفاؤل" فالمسلمون علموا أن الدخول في الإسلام لا يعني جرّ المصائب، بل هو قيادة الإنسانية الى مرضاة الله، التي تخرجهم من عبادة العباد الى عبادة الله وحده.

ومن هذه البشارات: ما قاله تعالى (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون) الصافات:171ـ173 وقوله تعالى (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) الروم:4-5، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقد روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة" ولذا كانت الاضطهادات أمام البشارات المتوالية ليست إلا "سحابة صيف عن قليل تقشع".

2ـ في هجرته صلى الله عليه وسلم جاء قوله لأبي بكر رضى الله عنه: "لا تحزن إن الله معنا"، بل بشر سراقة بن مالك الذي كان يطارده وصاحبه بتاج كسرى.

فيا أيتها المرأة الثكلى، ويا أيتها الزوجة المترملة، ويا أيها الشيخ الذي أقعده المرض، ويا أيها الشاب الذي فقد عمله، ويا أيها العاصي من شبابنا وفتياتنا: إن رحمة الله قريب من المحسنين، وإن بابه قريب وسائله لا يخيب، فتوجهوا الى من يجيب المضطر إذا دعاه، وأبشروا فإنكم تناجون رحمانا رحيما.

كلية الدراسات الإسلامية والعربية دبي