الحوار نشاط عقلي ولفظي يقدم المتحاورون فيه الأدلة والحجج والبراهين التي تبرر وجهات نظرهم بحرية تامة من أجل الوصول إلى حل مشكلة أو توضيح قضية ما، والأقارب هم أولى من تجب محاورتهم، لما لنتائج الحوار النافع المفيد من إيجابيات كثيرة تزيد اللحمة داخل الأسرة وبالتالي يزداد الترابط الأسري ثم الترابط المجتمعي.
ومن المتعارف عليه أن الحوار بين الزوجين لا مناص منه كي يسير مركب الحياة الأسرية إلى شاطئ هناءة العيش، لكن هناك من يغفل أهمية حوار الأب مع أبنائه، وحتى عندما يتم الحديث عن هذا الحوار، يسقط من بال الكثيرين آدابه التي منها أن يكون كافة الأطراف على علم تام بموضوع الحوار، وأن يكون لدى كافة أطراف الحوار القدرة على الاعتراف بالخطأ في حال خالف أحدهم الصواب، وكذلك أن يتأدب كل طرف مع الآخر باختيار الألفاظ المناسبة التي يرتضي المحاور أن يسمعها من غيره، ولابد أيضا من أن يحترم كل طرف عقيدة الطرف الآخر ومبادئه وأن يراعي نفسيته، وأن يكون الدافع الرئيس لدى جميع أطراف الحوار إصابة الحقيقة والوصول إلى الصواب والحق. ومن آداب الحوار الضرورية البعد عن الغضب وأسبابه مع الحرص على الاعتدال إلى أن ينتهي الحديث، وأن يكون لدى كافة الأطراف القدرة على التعبير، والمرونة وعدم التشنج، وتبقى قضية أساسية تتمثل في الإصغاء للطرف الآخر والاستفادة من طرحه وكبت جماح النفس عند الرغبة في الجدال.
وطالما أن الحوار حاليا هو أهم وسيلة لحل النزاعات فيجب وجوبا لازما أن نستخدم هذه النعمة العظيمة قبل وقوع الخطأ في الأسرة وأثناء أو عند وقوع الخطأ وأخيرا بعد وقوع الخطأ، حيث إن عرض القضية وتداولها بين الأب وأبنائه يزيل الغموض الملتف حولها ويظهرها للعيان كي تتحول بالحوار إلى بيان، ثم ليتم تقليب وجهات النظر حولها واتخاذ القرار المناسب تجاهها.
الأب يحذّر ويوجّه قبل وقوع الخطأ، ثم يؤنب بلطف عند وقوع الخطأ، ثم ينذر ويهدد بعد وقوع الخطأ لتفاديه في المرة المقبلة.
أطفالنا أرواحنا ولقد لبست لبوسا جديدا، فيجب علينا أن نهتم بهم وأن نراعي أحاسيسهم ومشاعرهم وتوجهاتهم ورغباتهم وتطلعاتهم، ولعمري إننا لن نكتشف كل هذا في ذواتهم إلا عن طريق محاورتهم.
فللحوار بين الأب وأبنائه قدرة عجيبة على امتصاص نقمتهم وقدرة أعجب على قراءة مشاكلهم واستجلاء ما يعكر صفوهم.
والأب إن لم يكن معلما فهو لا ريب معنف، ولقد أخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (علّموا ولا تعنّفوا فإن المعلم خير من المعنف)، فبالتعليم عن طريق الحوار تربح ابنك وبالتعنيف عن طريق اللوم والزجر والصراخ تخسره ويخسرك.
وطموح كل أب حقيقي أن ينتقل في قلوب أبنائه من مجرد احترامهم له إلى الارتفاع إلى رتبة محبتهم له، ولا يوجد أي طريق لهذا إلا الحوار. فيجب على الأب الحقيقي أن يسامر أبناءه سائلا عن تحصيلهم العلمي باحثا عن حلول لمشاكلهم مشاركا لأفراحهم حارسا لصحتهم الجسدية والنفسية. قال الله تبارك وتعالى: "فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى" ((طه: 117)).
بالمفرد: فتشقى، وليس فتشقيا، كما هو مفترض، وذلك لأن شقاء الزوج شقاء لزوجته، ويقاس عليه أن شقاء الأبناء شقاء حتمي للوالدين، وبالتالي فواجب على الأب أن يطمئن دوريا على أحوال أبنائه عن طريق الحوار معهم حول: دراستهم وأصدقائهم وأساتذتهم وعقائدهم وهواياتهم وطموحاتهم.
