يوماًَ بعد يوم تزداد التحديات التي تواجه المسلمين، فمن الاختلاف حول أمور كانت صغيرة ثم كبرت حتى أصبحت سببًا للتشتت والتفرق، إلى هجوم مستعر من وسائل إعلام غربية لا تعرف الموضوعية، إلى خطاب ديني يرى كثير من العلماء أنه بات قاصرًا عن مواكبة المستجدات العصرية، إلى غيرها من التحديات التي تستلزم تكاتف جهود علماء الأمة للخروج من هذا النفق المظلم الذي ينذر مزيد من السير فيه بعواقب لا تُحمد عقباها. من هذا المنطلق يأتي هذا الحوار مع الدكتور عبدالرحمن عماش، المحاضر في الجامعة العالمية نائب رئيس جمعية المشاريع الخيرية في لبنان؛ ليلقي برأيه في هذه التحديات وكيفية مجابهتها.

كيف تنظر إلى اختلاف المسلمين الذي صار سببا للتشتت والفرقة بينهم؟

الأمور التي تستهوي الناس كثيرة منها السياسة والدنيا والتجارة، وهناك من يستهويه أمر الفكر. وفي كل هذه الاعتبارات إذا لم تكن هناك مرجعية يرجع إليها كل فريق يحدث الاختلاف، خاصة في الأفكار، ومن هنا يتولد العداء والفرقة والتشتت. أما لو كان هناك منهج أصيل يرجع إليه في حال الاختلاف لكان هناك توافق بين الحاكم والمحكومين؛ لأن الطرفين يريدان مصلحة الناس والعباد فيحصل تناصح وإصلاح يكون على ما ينفع الناس. وهو أمر أشبه بالذين في مركب واحد يريد واحد منهم ومن خلال نظرة محدودة الحصول على الماء من خلال ثقب السفينة فإذا تركه أهل السفينة يفعل ما يشاء كانت النتيجة غرق كل من على ظهرها.

سوء فهم

هل يتحمل المسلمون بتشتتهم مسؤولية تزايد الهجوم على الإسلام في السنوات الأخيرة؟

هذا الهجوم يحمل في داخله سوء فهم للإسلام رغم أن بعض المسلمين يتحملون مسؤولية عدم عرض دينهم بالصورة المشرفة، كما أن بعض من يسيء فهم الإسلام يظهر صورة غير جيدة لهذا الدين الحنيف، وتحت شعار "كلمة حق يراد بها باطل" يسيء إلى صورة المسلمين وبدلا من أن يُقبل الغرب على الإسلام ينفر منه.

وأذكر أن أحد أصدقائي سافر إلى أحد البلاد العربية وصار يذكر لهم الأدلة العقلية على صدق هذا الدين. فقالوا له "كلامك مقنع ولكن ماذا عما نسمع به من تفجيرات وقتل". فانتقل الرجل من موقف ذكر أدلة صدق الدين الإسلامي إلى موقف الدفاع، وهذا هو حال جميع الدعاة الآن، وهي نقطة ينبغي معالجتها.

هناك من يرى أن تجديد الخطاب الديني أصبح ضرورة ملحة، كيف ترى الأمر؟

الأصل هو أن الدين لابد أن يلائم كل العصور، فالإمام علي بن أبي طالب قال "حدّث الناس بما يفهمون. أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله"، وهذا يعني أن خطاب الناس يكون بحسب ما يفهمون، وذلك عبر فهمهم الأحكام الشرعية تدريجيّا بحيث يفهمونها جيدا ويلتزمون بها، وهذا هو المنهج الذي لا بد وأن يتبع على أن يتلازم مع المحافظة على الأصول التي نحتكم إليها؛ لأن البعض تحت ستار التجديد قد يحرف الخطاب عن منهج الدين فينكر معجزات الأنبياء وينكر بعض الواجبات وغير ذلك.

كيف يكون التجديد إذن؟

عن طريق أسلوب العرض بوسائل الاتصال الحديثة مثل شبكة المعلومات الدولية الإنترنت، ووسائل الإيضاح الأخرى؛ ليتعرف الناس أكثر على المسائل الشرعية، إضافة إلى اتباع الطريقة العقلية الدالة على وجود الله، فضلا عن حسن التعاطي مع الناس، وهذا لا يتعارض مع الحداثة والتطور.

قواعد شرعية

ماذا عن الاختراعات والاكتشافات الحديثة؟

ترجع كل الاختراعات والابتكارات الحديثة إلى القواعد الشرعية، فمنها ما يقبل به مثل الوسائل التقنية في وسائل المعلومات، ومنها ما لا يقبل به كمسائل الاستنساخ على الوجه الذي فيه أنه يوضع مني أجنبي في رحم امرأة أجنبية. أما الجانب الذي فيه علاج وليس فيه الأمر المحذور فله شروط وقيود مذكورة.

ظاهرة ألعاب الفيديو للأطفال والمعروفة بـ"بلاي ستيشن" طرأت على مجتمعاتنا الإسلامية أخيرا، إلى أي درجة تمثل خطرًا أخلاقيًّا على أطفالنا؟

للأسف الشديد، هذه الألعاب صارت جزءا لا يتجزّأ من ثقافة مجتمعاتنا الإسلامية بعد أن استقطبت قطاعا عريضا من الأطفال، بل ومن الشباب الذين يهدرون أوقاتهم أمامها، رغم أن هذه الألعاب تتضمن صورا عارية وأفكارا خبيثة تهدف في الأساس إلى تشويه الأخلاقيات الإسلامية للطفل.

والعجيب أن كثيرا من وسائل الإعلام دأبت على نشر إعلانات لهذه الألعاب التي لا تحمل إلا الخلاعة والإجرام من أجل ترغيب الأطفال بشرائها، حيث تتبارى المحال التجارية في بيعها بأثمان أقل من مثيلاتها، وهي لا تدرك أنها بذلك تغرس في أطفال الأمة سلوكيات مشوهة قابلة للانفجار في وجه مجتمعاتنا الإسلامية في أي وقت.

إذن، ما هو الحل في رأيك؟

ضرورة استبدال هذه الألعاب ببدائل تتماشى مع ثقافتنا الإسلامية، ولا تتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف. فعلى سبيل المثال من الممكن أن نكثر من سرد القصص التي تسرد لتاريخنا العربي والإسلامي وتصويرها في شكل أفلام للأطفال إضافة إلى استثمار أوقات الفراغ في ممارسة الأنشطة المفيدة مثل الرياضة والقراءة. وفي الأساس لا بد من ممارسة الرقابة الدائمة من الآباء على الأبناء ومشاركتهم اهتماماتهم.

ما تعليقك على الأفلام الإباحية التي تملأ مواقع الإنترنت والقنوات الفضائية ويقبل عليها الشباب المسلم؟

حينما سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما ندع؟ فقال عليه الصلاة والسلام احفظ عورتك إلا عن زوجك، فقيل له يا رسول الله فكيف إذا كان الإنسان خاليًا مع نفسه؟ فقال رسول الله صلى عليه وسلم فالله أحق أن يستحيى منه. ومن ثم فإذا كان الإسلام قد منع المسلم من النظر إلى عورة نفسه فما بالنا بالنظر إلى عورة غيره.

وأرى أن القضاء على هذا الخطر الذي يهدد قيمنا وأخلاقنا يتركز في أمور عدة منها: متابعة الوالدين للأبناء بصورة غير مباشرة حتى لا يأتي الأمر برد فعل عكسي، بالإضافة إلى توعية الأبناء بخطورة مشاهدة هذه المواد على سلوكياتهم وجسدهم، فضلا عن وضع مواصفات للقنوات الفضائية وما يبث فيها، وكذلك المواقع الموجودة على شبكة الإنترنت.