قال الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" (النساء: 59).

هذه الآية الكريمة، وغيرها من الآيات الكثيرة، تلفت نظر المسلمين من ضمن ما تلفت إليه إلى وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من غير تحديد زماني أو مكاني، طاعة تامة كاملة في كل وقت وحين، وفي كل زمان ومكان، وقد قال الطبري في تأويل الآية أطيعوا اللَّه ربكم في ما أمركم به وفي ما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إيَّاه لربِّكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته. عن أَبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصا أميري فقد عصاني". وهو أمر من الله بطاعة رسوله في حياته في ما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتباع سنته؛ وذلك أن الله عمَّ بالأمر بطاعته ولم يخصِّص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يَخُصّ ذلك ما يَجِب التسليم له. انتهى. وبيت القصيد هنا الحديث عن السنة النبوية الشريفة التي تحتل منزلة عظمى في الإسلام كأهم مصدر تشريع فيه بعد القرآن الكريم، لأن صاحبها صلى الله عليه وآله وسلم - لا ينطق عن الهوى، ولأنه وحيٌ يوحى، وبالتالي فهو معصوم من الله تعالى بالوقوع في أي خطأ، والمعصوم عن الخطأ بداهة وعقلا وذوقا - حقيق بالاتباع والطاعة. بل إن الإسلام لا يكون إلا بطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الله تعالى أمر بذلك في غير موضع من كتابه، فمن ذلك: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" (الأحزاب: 36).

إذن، الضلال المبين هو مصير كل من يعص الله ورسوله، وطبيعة المعصية في الآية السابقة تعني عدم رضا النفس، أو وقور شيء فيها من قضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ ينبغي التسليم التام الكامل بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يخفى على عاقل أن تعدد الآيات الدالة على هذا التحذير الخطير من عصيان قضاء وأوامر رسول الله اللذين هما من سنّته صلى الله عليه وآله وسلم يعكس القيمة العليا والمكانة العالية التي تحتلها السنّة النبوية المطهرة في الإسلام.

الالتزام بالسنة المطهرة ليس أمرا اختياريا، أو مزاجيا، أو انتقائيا، بل واجب وفرض في المنشط والمكره، في ما نحب وفي ما نكره، ويقول الطبري: فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا، فارْتادوا معرفة ذلك أيضا من عند الرسول إن كان حيا، وإن كان ميتًا فمن سنَّته: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر} يقول: افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله واليوم الآخر. يعني: بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب.

وهذه الطاعة يظهر فيها من حكمة الله تبارك وتعالى أنه سبحانه يريد منّا، عندما يأمرنا باتباع السنّة، أن نبقى على صلة عاطفية وسلوكية وعلمية وفكرية بأفضل من خلق الله تعالى، كي يكون طرف الأمة دائم الاتصال والتمسك بمركزها وروحها وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولذلك فإن جميع علماء الأمة العظام، أصحاب الأثر العلمي الكبير، نهلوا من سنّته القولية والفعلية والتقريرية، فأثمروا في كتبهم وعلى ألسنتهم حصادا علميا وافرا، وفكرا إنسانيا راقيا، وأرواحا شفّافة تنزع نحو السمو الإنساني في أعلى مراقيه.