هو محمد بن مكرّم بن علي بن أحمد، الأنصاري الرويفعي الإفريقي المصري، القاضي جمال الدين أبو الفضل، المعروف بابن منظور، الأديب الإمام اللغوي الحجة.
يُعدّ من أحفاد الصحابي رويفع بن ثابت الأنصاري، عامل معاوية على طرابلس الغرب، وقد ولد بمصر -على الأرجح- يوم الاثنين، الثاني والعشرين من المحرم، سنة ثلاثين وستمائة من الهجرة.
كان ابن منظور صدرًا رئيسًا فاضلاً في الأدب، عالمًا في الفقه واللغة، عارفًا بالنحو والتاريخ والكتابة، وكان مليح الإنشاء له نظم ونثر، وقد عمي في آخر عمره.
لسان العرب
يُعد "لسان العرب" من أشهر المعاجم العربية وأطولها، كما يُعد أشملها للألفاظ ومعانيها، وأتم المؤلفات التي صنفت في اللغة، ومرجع العلماء والعمدة المعول عليه بين أهل هذا اللسان.
وقد جمع ابن منظور في معجمه بين أمهات المعجمات العربية الخمسة السابقة عليه، فجمع بين "تهذيب اللغة" للأزهري، و"المحكم" لابن سيده، و"الصحاح" للجوهري، و"حاشية الصحاح" لابن بري، و"النهاية في غريب الحديث" لعز الدين بن الأثير. وفي منهجه في معجمه هذا نهج ابن منظور نهج الجوهري في الصحاح، باعتماد الترتيب الهجائي للحروف، بانيًا أبوابه على الحرف الأخير من الكلمة، وأول أبوابه ما ينتهي بالهمزة. وقد بلغ عدد المواد اللغوية التي ضمنها لسان العرب ثمانين ألف مادة، وهو ضعف ما في الصحيح، وأكثر بحوالي عشرين ألف مادة من المعجم الذي جاء بعده، وهو القاموس المحيط للفيروزآبادي.
وقد صدّر ابن منظور "اللسان" بمقدمة غير قصيرة، ذكر فيها شرف اللغة العربية وارتباطها بالقرآن الكريم، ثم عرّج بعد ذلك على نقد التهذيب والمحكم والصحاح، ثم ذكر السبب الدافع إلى تأليف معجمه، والذي يتمثل في أنه وجد أن الذين سبقوه إما أحسنوا الجمع وأساؤوا الوضع والترتيب، وإما أحسنوا الوضع ولكنهم أساؤوا الجمع. ويعد "لسان العرب" معجمًا موسوعيًّا يتسم بغزارة المادة، حيث يستشهد فيه مؤلفه بكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وأبيات الشعر، وقد بلغ الشعر الذي استشهد به ابن منظور قرابة اثنين وثلاثين ألف بيت، موزعة بين عصور الرواية الشعرية من جاهلي ومخضرم وإسلامي وأموي وعباسي، وذلك إضافة إلى روايته لآلاف من آراء اللغويين والنحويين. وقد طبع الكتاب بالطابعة الأميرية ببولاق (القاهرة) في عشرين جزءًا كبيرًا ينيف كل منها على ثلاثمائة صفحة، حظيت بإعجاب العلماء، وقد استدرك عليها العلامة أحمد تيمور بعض الأخطاء المطبعية التي نشرها في جزء صغير باسم: "تصحيح لسان العرب".
بعد حياة علمية حافلة، وبعد أن تولى نظر القضاء في طرابلس، عاد ابن منظور أدراجه إلى مصر، وفيها توفاه الله في شعبان سنة إحدى عشرة وسبعمائة من الهجرة، عن اثنتين وثمانين سنة، وكان ذلك قبل ولادة صاحب "القاموس المحيط" الذي أتى بعده بثماني عشرة سنة.