الصلاة أفضل العبادات البدنية، لأنها أفعال وأقوال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وفي تلك الأفعال والأقوال لو أديناها حق الأداء -ما يؤمننا على مستقبل حياتنا.من أجل ذلك أمرنا ربنا بالمحافظة على الصلوات الخمس بعد أن أمرنا بإقامتها في آيات كثيرة.

فقال عز وجل: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ} (البقرة: 238). وفي الصلاة اشتملت كلمة «الله أكبر» على معاني جليلة وفوائد عظيمة منها أن يمنح لك العزة والسلطان في الدنيا والكرامة والجنة في الآخرة.

فمن معانيها أن الله تعالى أكبر من كل شيء، وأعظم وأجل وأعز وأعلى من كل ما يخطر بالبال، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه على كل شيء قدير.

اختار الله تعالى لعبده كلمة «الله أكبر» ليفتتح بها لقاءه بربه وأمره بها في ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده، ليستحضر في قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فإذا قالها المؤمن وهو حاضر الفؤاد في صلاته امتلأ قلبه هيبة من الله تعالى وذلاًّ له سبحانه.

انظر إلى الصحابة الكرامر رضوان الله عليهم، إذ كبروا الله حق التكبير مستحضرين معاني الكلمة في صلواتهم وفي آذانهم، وفي معاركهم وفي أعيادهمر بل وفي حياتهم كلها، وتبعهم الصالحون في ذلك. عندما فعلوا ذلك أثابهم الله تعالى فأمن مستقبلهم في الدنيا وأوصلهم إلى أوج العز والسلطان فيها.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} (النور: 55)، فقد حكمنا البلاد والعباد بالعدل والإحسان لأكثر من عشرة قرون لدرجة أن قال أحد أمراء المؤمنين وهو يخاطب غيم السماء قائلاً: «أمطري حيث شئت يأتينا خراجك»، بل لدرجة أن صارت جملة «الله أكبر» بنفسها تدور حول الأرض باستمرار في كل ساعة من الليل والنهار.

كيف حدث ذلك؟ حدث بعد أن انتشر هذا الدين الحنيف - بفضل هؤلاء المجاهدين - إلى القارات السبع، ورفعوا فيها كلمة التكبير، وبدأ كل بلد يرفع الأذان للصلوات الخمس في أوقاتها، ونحن نعلم أن الصلاة لا يحين وقتها في دولتين في وقت واحد، فالبلاد تتوالى في دخول أوقات الصلوات.

ولو كنا نملك آذاناً لقلوبنا قادرة على الاستماع إليها لوجدنا ذبذبات التكبير والشهادتين والتهليل تصل إليها بأصوات قوية ثم تنخفض تدريجياً كلما ترتفع إلى السماء، ليزيد الصوت مرة أخرى ثم ينخفض ثم يزيد، وهكذا باستمرار، فسبحان الله رب العالمين، ويعتبر هذا نوع من الإظهار الرباني الموعود به لهذا الدين الحنيف في القرآن العظيم، حيث قال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة: 33).

صحيح أننا عندما أهملنا التكبير في حياتنا، زال عنا ما كان لنا في الأرض من العز والسلطان، وهنا علينا أن ندبر في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال: 53).

وعندما غيرنا ما في أنفسنا من الأخلاق الفاضلة والأعمال الحسنة حصل لنا ما يعيشه المسلمون الآن من الهوان والذل والاستضعاف في الأرض وسلط الله علينا الأعداء، بل وأصبحت العداوة في ما بين أنفسنا أشد من العداوة في ما بيننا وبين أعدائنا. ولكن ومع ذلك رحمة الله باقية معنا، حيث لم تتوقف نعمة الله علينا ولم يتوقف دور كلمة التكبير حول الأرض، وإن حدث فيه بعض الخلل.