قال الله تبارك وتعالى:وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. (الأنفال: 26)
لم تكن قلة عدد المؤمنين في يوم من الأيام مانعاً من نصرهم، مثلما أنها لم تكن سبّة عليهم، أو منقصة لهم، بل إن القارئ لسيرة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم»، ولسيرة الخلفاء الراشدين الهداة المهديين من بعده: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي «رضي الله عنهم وأرضاهم»، يرى أن الغالبية الساحقة من الغزوات والمعارك التي خاضوها، قد انتصروا فيها مع كونهم هم الأقل عدداً والأضعف عتاداً، ولعل في هذا من الحكمة ما قد يغيب عن بعضنا، هذه الحكمة التي تقتضي إظهار معية الله تبارك وتعالى للمؤمنين بأن نَصَرهم وهم قلة، وكذلك إشعار المؤمنين على الدوام بأنهم في حالة رجاء ولجوء وتعلق به عز وجل، وطلب للنصر منه سبحانه، وهذا يعني أن قلة عدد المؤمنين ــ وفق هذا الفهم القرآني الحكيم ــ سبب حاسم في نصرهم من الله تبارك وتعالى، إذ كيف لا ينصرهم ــ سبحانه ــ وهم الموحدون له، والمؤمنون به، والطائعون لأوامره، والمنتهون عن نواهيه؟!
وفي الآية أعلاه: يمنّ الله تبارك وتعالى على الصحابة «رضوان الله عليهم»، وعلى من سيأتي من بعدهم إلى يوم القيامة، بأنه آواهم ونصرهم، وليس ذلك فقط، بل رزقهم من الطيبات الكثير، وذلك بعد أن كانوا قلة مستضعفين، يخافون الكفار من أن يفتكوا بهم.
ولذلك فإنه لا ينبغي أن يصيب المؤمنين، الباحثين عن التمكين والنصر والخلاص من الظلم والحيف، الجزع والقنوط إذا ما وجدوا أنفسهم قليلي العدد مستضعفين، لا ناصر لهم إلا قليل مثلهم، فالعبرة إنما تكون بالنوعية لا بالكمية، وهذا يستدعي منهم أن يفقهوا المراد منهم وهو بأن يثبتوا ويصبروا، وأن يكونوا على قلب رجل واحد، حتى يتحقق لهم مرادهم.
تكثير بعد قلة
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية:
يُنَبِّهْ تَعَالَى عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نعمه عليهِم وإِحسانه إليهم حيث كانوا قليلين فكثَّرهم ومستَضعفين خائفين فقوَّاهم ونصرهم وَفقراء عالة فرزقهم من الطَّيِّبات واستشكرهم فأطاعوه وَامْتَثَلُوا جميع مَا أمرهم. وَهَذَا كَانَ حَال الْمُؤْمِنِينَ حَال مَقَامهمْ بِمَكَّة قَلِيلِينَ مُسْتَخْفِينَ مُضْطَهَدِينَ يَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفهُمْ النَّاس مِنْ سَائِر بِلَاد اللَّه مِنْ مُشْرِك وَمَجُوسِيّ وَرُومِيّ كُلّهمْ أَعْدَاء لَهُمْ لِقِلَّتِهِمْ وَعَدَم قُوَّتهمْ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبهمْ حَتَّى أَذِنَ اللَّه لَهُمْ فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة فَآوَاهُمْ إِلَيْهَا وَقَيَّضَ لَهُمْ أَهْلَهَا آوَوْا وَنَصَرُوا يَوْم بَدْر وَغَيْره وَوَاسَوْا بِأَمْوَالِهِمْ وَبَذَلُوا مُهَجَهُمْ فِي طَاعَة اللَّه وَطَاعَة رَسُوله «صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
قَالَ قَتَادَة بْن دِعَامَة السَّدُوسِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِي قَوْله تَعَالَى وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْض قَالَ كَانَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب أَذَلَّ النَّاس ذُلًّا وَأَشْقَاهُ عَيْشًا وَأَوْجَه بُطُونًا وَأَعْرَاهُ جُلُودًا وَأَبْيَنه ضَلَالًا مَنْ عَاشَ مِنْهُمْ عَاشَ شَقِيًّا وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ رَدِيَ فِي النَّار يُؤْكَلُونَ وَلَا يَأْكُلُونَ وَاَللَّهِ مَا نَعْلَم قَبِيلًا مِنْ حَاضِر أَهْل الْأَرْض يَوْمَئِذٍ كَانُوا أَشَرَّ مَنْزِلًا مِنْهُمْ حَتَّى جَاءَ اللَّه بِالْإِسْلَامِ فَمَكَّنَ بِهِ فِي الْبِلَاد وَوَسَّعَ بِهِ فِي الرِّزْق وَجَعَلَهُمْ بِهِ مُلُوكًا عَلَى رِقَاب النَّاس وَبِالْإِسْلَامِ أَعْطَى اللَّه مَا رَأَيْتُمْ فَاشْكُرُوا اللَّه عَلَى نِعَمِهِ فَإِنَّ رَبّكُمْ مُنْعِم يُحِبّ الشُّكْر وَأَهْل الشُّكْر فِي مَزِيد مِنْ اللَّه.
وجاء في تفسير الجلالين: وَاذْكُرُوا إذْ أَنْتُمْ قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْض أَرْض مَكَّة، تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفكُمْ النَّاس يَأْخُذكُمْ الْكُفَّار بسرعة، فآواكم إلى المدينة وأيَّدكم قوَّاكم بنصره يوم بدر بالملائكة، وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات الْغَنَائِم، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نِعَمه..
