تطل قضية تسمية الأبناء وتطرح نفسها على مجتمعاتنا العربية من آن لآخر، في ظل اتجاه بعض الأمهات اللائي يموت أولادهن إلى تسمية أطفالهن بأسماء منفرة؛ اعتقادًا أن هذا يمنع عنهم الحسد، في الوقت الذي يلجأ فيه بعض الآباء لاختيار أسماء غريبة كنوع من الصيت والشهرة لأولادهم، ما قد يسبب مشكلات لهم في الكبر.
ويتفق علماء الإسلام والاجتماع أن اختيار الآباء لأسماء أولادهم قضية لها بعد ديني، استنادًا إلى ما أمرنا به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن نحسن تسمية أطفالنا، باعتبارها احد أهم حقوق الأبناء الواجبة على الآباء.. تفاصيل أكثر في سياق التحقيق التالي.
يقول د.أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، إنه من المقرر شرعًا أن كل حق يقابله واجب، فإذا كان للآباء والأمهات حقوق على أبنائهم من البر، إنفاذًا لقول الله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}((الإسراء: 23)) وبالوصايا النبوية من خير البرية فإن هذه الواجبات يقابلها حقوق، أولها اختيار أسماء حسنة لهم.
الألقاب المذمومة
وتابع كريمة: من هنا فإن الإسلام بإحكام الأحكام يجعل الحقوق والواجبات تبادلية، فمن يطالب بحق عليه أن يؤدي الواجب الذي عليه، ومن أوائل حقوق الأولاد على الآباء ضرورة اختيار الأسماء الحسنة لهم، وهي مسألة تخضع إلى توفيق الله وإلهامه وإلى ما قدره الله مصداقًا لقوله {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا}((الأحزاب: 38))، وقوله {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} ((الإسراء: 58))، وقوله {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فلا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ((الأنعام: 17)).
استنادًا لذلك، يخاطب أستاذ الشريعة الإسلامية بعض الأشخاص الذين يسمّون أولادهم أسماء قبيحة ويقول: لابد أن يعرف هؤلاء أن الأسماء الحسنة أو القبيحة لا تسبب نفعًا ولا تدفع ضررًا، فهذا كله لا يتم إلا بقدر الله، فمن حقوق الأولاد على أمهاتهم وآبائهم الأسماء الحسنة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب من الأسماء السيئة، بل ويقوم بتغييرها إلى أسماء حسنة، محذرًا من أن الأسماء السيئة مدعاة إلى المعايرة بالألقاب، وقد نهى تعالى عن ذلك بقوله {وَلَا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ} ((الحجرات: 11)؛ أي الألقاب المذمومة.
تصرفات عدوانية
بدورها، أكدت د. سامية الجندي، أستاذ علم النفس الاجتماعي، أن على الآباء توفير الحياة الكريمة من مأكل ومشرب وملبس وتعليم لأولادهم.. وعليهم أيضًا احترامهم وتربيتهم التربية السليمة والعمل على تنمية شخصيتهم وغرس روح الانتماء وحب الوطن فيهم، بالإضافة إلى حب الدين وتعليمهم كل الشعائر الدينية من صلاة وصوم وزكاة. وأشارت إلى أن اختيار الاسم المقبول مجتمعيًا من أهم الحقوق، موضحة في الوقت ذاته أن تراثنا يلعب دورًا كبيرًا في اختيار الأسماء، فالبعض يلجأ إلى تسمية الأولاد على اسم الجد أو كبير العائلة رغم أنها قد تكون أسماء غير ملائمة للعصر الذي نعيشه الآن، والبعض الآخر يختار اسمًا غريبًا خوفًا من العين والحسد دون مراعاة أنه لا يتناسب مع ابنه وأنه منفر غير جيد وربما محل سخرية في المجتمع، واصفه ذلك بأنه من أنواع الجهل، مؤكدة أنه قد يؤثر في نفسية الإنسان.
بعد دينى
بدوره، يقول د.سيد صبحي، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس، إن اختيار الأسماء للأولاد له بعد ديني، حيث إن النبي أمرنا بأن نحسن اختيار أسمائهم. ويوضح أن عملية اختيار الاسم هي ضرب من ضروب التوافق الاجتماعي للابن والبنت، كما أنه يعبّر عن ذوق الأم والأب، فإذا كان الاسم منفرًا فهذا يدل على أن درجة الثقافة والحضارة والبعد الديني لدى الأسرة دون المستوى. وأضاف أنه رغم ذلك كانت هناك عائلات تعرف بأسمائها الغريبة وتكون لها مكانة عالية في المجتمع مثل الصحفي الكبير محمد الحيوان، وعائلة الجحش، وغيرها من الأسماء التي استطاع أصحابها تكوين عائلات كبيرة ذاع صيتها، منوهًا بأن في العصر الحالي لابد أن نختار الاسم الملائم والذي يعطي معنى جميلاً؛ لأنه سيلتصق بالشخص طوال الحياة، فإما أن يفرحه وإما يحزنه.


