أصبح الوجود الإسلامي في أوروبا واقعاً ملموساً خلال السنوات الماضية بعد تنامي أعداد الأوروبيين المعتنقين للإسلام عاماً بعد آخر. وربما كان هذا التنامي في أعداد المسلمين في القارة الأوروبية سبباً رئيساً في استعار الهجوم على الإسلام والمسلمين استناداً إلى مزاعم واهية وأكاذيب ليس لها أي سند منطقي أو تاريخي. ومن هذا المنطلق يأتي هذا الحوار مع الدكتور يونس جوفرا، أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة ستراسبورغ الفرنسية والمحاضر أيضاً في جامعة لوفوبان البلجيكية، والذي التقيناه أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة لإلقاء الضوء على كثير من الإشكالات المرتبطة بالوجود الإسلامي في أوروبا بصفة عامة وفرنسا على وجه التحديد، حيث اوضح ان خوف الغرب من الاسلام يقف وراد موجة الهجوم والعداء للاسلام والمسلمين.

كمسلم فرنسي، بماذا تفسّر هذا الهجوم الضاري على الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية، والفرنسية على وجه الخصوص؟

هناك مفهوم جديد على القارة الأوروبية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإجابة على هذا التساؤل، ويتمثل في خوف الأوروبيين من الدين الإسلامي وكل ما يرتبط به، لاسيما في ظل المكونات الثقافية للمجتمع الأوروبي الذي يقوم على العلمانية، وهو أمر أدى إلى عدم وعي قطاع كبير من الفرنسيين من معتنقي الأديان الأخرى بالدين الإسلامي الذي يتمسك به المسلمون هناك.

ما أعنيه أن ما يتعرض له الإسلام من هجوم من قبل وسائل الإعلام الفرنسية سببه ليس الإسلام ذاته أو المسلمين في فرنسا، إنما هو خوف المجتمع الفرنسي من تزايد المعتنقين لهذا الدين الحنيف، خاصة وأن هذا المجتمع طالما عرف بتحرره في جميع مظاهر حياته، وبالتالي ليس من مصلحته انتشار الإسلام الذي يرى آدابه قيداً على هذه الحرية.

كلامك يعني أن أرباب الهجوم على الإسلام باتوا التيار المسيطر على الإعلام في فرنسا؟

لا أستطيع أن أجزم بذلك، لأنه إذا كان هناك تيار يهاجم، فإنه في المقابل يوجد تيار آخر يهدف إلى معرفة حقيقة الإسلام والتعمق في كل ما يرتبط به من أفكار ورؤى، بعيدًا عن الهجوم الشديد الذي تتبناه وسائل إعلامية أخرى تستقي هجومها من تخوف عدد من السياسيين الفرنسيين من تحول فرنسا إلى دولة إسلامية في ظل تزايد عدد معتنقي الإسلام بين الفرنسيين.

ولكن هناك من يرى أن الهجوم على الإسلام أسهم في اعتناق كثير من الفرنسيين له؟

هذا قد يكون صحيحًا، حيث أخذ الهجوم الشديد على الإسلام والمسلمين عند كثيرين موقفًا عكسيًا جعلهم يتجهون بشكل غير مباشر إلى محاولة فهم الإسلام والقراءة عنه والوقوف على حقيقته، ومن ثم معرفة حقيقة هذا الهجوم، وهو أمر أسهم في اقتناع كثير من الفرنسيين بالإسلام بعد تعمقهم في تعاليمه.

 

الحل

من وجهة نظرك، كيف يمكن طمأنة الفرنسيين والغرب عموماً إزاء مخاوفهم من الإسلام؟

البعد الكوني الروحي هو الذي يميز ديننا الحنيف باعتباره يتعدى الحدود المتعارف عليها سواء من الناحية السياسية أو المعرفية إلى عالم آخر يظهر من خلاله نقاء الإسلام وحقيقته السمحة، ومن ثم نستطيع التوصل إلى صيغة قد تكون مقبولة لدى الشعوب الغربية للتعامل معهم؛ لأنهم في أمسّ الحاجة لهذا البعد الذي يفتقدونه في حياتهم التي طغى عليها الجانب المادي. وبمناسبة هذه النقطة أودّ أن أشير إلى أن عددا من علماء الإسلام في البلاد الإسلامية كانوا يقولون لي بضرورة أن تقنع الفرنسيين بالمنطق؛ لأنهم عقلانيون، إلا أني أرى أن الخروج بهم من دائرة المادية المحضة التي تضيق ذرعاً بالنفس إلى الروحانيات هو أقصر طريق لإقناعهم؛ لأنهم في حاجة ماسة إليها، وهذا ما ألاحظه عندما أقوم بإلقاء محاضراتي هناك سواء في جو مسلم أو غير مسلم مع العلم بأن السيدات لديهن وعي أكبر من الرجال في التواصل في هذا الأمر؛ لأنهن يدركن أنهن في حاجة ماسة إلى الهداية وقد يجدن الطريق إلى ذلك عبر الإسلام.

ولكن يلاحظ تركيزك على البعد الروحي دون الالتفات إلى البعد المادي الذي يعد سمة المجتمع الأوروبي؟

الدين الإسلامي يملك مقومات التكامل بين المادي والروحي وهذا التكامل هو ما يحتاج إليه الإنسان في المجتمع الأوروبي الذي بات أسيراً للمادة التي قضت على فطرته السليمة، وهذا ما يفسر سر إقبال الفرنسيين على اعتناق الإسلام؛ لأنهم يرون فيه اتزانهم النفسي باعتبار أن الإسلام هو دين الوسطية والفطرة الذي يتعامل مع الإنسان من دون أغلال أو قيود.

كثير من العلمانيين في أوروبا يهاجمون الإسلام ويزعمون أنه يقف عقبة في وجه التطور، ما تعليقك؟

العلم هو وسيلة التطور وانتقال الحياة إلى الأفضل، وإذا كان الإسلام لا يقف ضد العلم فإنه بالتبعية لا يقف ضد التطور، بل على النقيض تماماً يحث عليه، وتكفي الإشارة إلى أن كثيراً من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة حثت على طلب العلم وتوظيفه في أمور الدنيا بما يخدم البشرية، وهذا ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، حيث قال لهم «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

 

همزة وصل

كيف تثمّن تواجد المسلمين في أوروبا في إطار خدمة الدين؟

وجود المسلمين في دول العالم غير الإسلامية يحقق أكثر من هدف، على رأسها انتشار الدين الإسلامي والدعوة إليه من خلال المسلمين القاطنين في هذه الدول؛ علمًا بأنه ليس شرطاً أن تكون الدعوة مباشرة وإنما من خلال سلوكياتهم، ومن خلال هذا الهدف يأتي الهدف الآخر الذي يقوم به المسلمون في هذه البلاد وهو تهيئة الظروف الإيمانية المناسبة لاستقبال معتنقي الدين الإسلامي ومساعدتهم على أن يعيشوا حياة إسلامية تختلف عن تلك التي كانوا يعيشونها من قبل. ويعد تواجد المسلمين في الغرب ضرورة ويلعب دوراً في الدفاع عن الإسلام في وجه الهجوم الشديد الذي يتعرض له.

ماذا يحتاج المسلمون في أوروبا لمواجهة التحديات التي تواجههم؟

أعتقد أن المسلمين في أوروبا إذا أدركوا دورهم في الدفاع عن الدين الإسلامي وعن حقوقهم كمسلمين في هذه الدول، فإنهم سيسعون إلى تكريس وجودهم في المؤسسات التي من شأنها مساعدتهم على ذلك ومنها المجالس التشريعية والبلدية والتي يجب أن يتواجد فيها ممثلون عن المسلمين للتحدث بصوتهم والتعبير عن مشكلاتهم والمطالبة بإيجاد حلول لها من خلال التشريعات والقوانين التي تسن بين الوقت والآخر.

ويحتاج المسلمون أيضاً إلى التواصل مع المؤسسات الإعلامية الكبرى هناك من خلال مؤسساتهم من أجل تصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام والمسلمين ومن ثم تهيئة الظروف المناسبة لحصولهم على حقوقهم، والتي تقف الصورة المشوهة والمأخوذة عنهم عقبة في سبيل ذلك، وكل هذا يحتاج إلى الاندماج في المجتمع.

وكيف يتحقق هذا الاندماج؟

من خلال الجامعات والمدارس ومؤسسات العمل المختلفة، حيث يمكن من خلال هذه المؤسسات ترويج الثقافة الإسلامية التي أصبحت أحد المكونات الأساسية للمجتمع الفرنسي على سبيل المثال. وهناك أيضاً اللقاءات التي تعقد بين الحين والآخر على هامش حوار الحضارات، والتي رغم أن البعض قد يراها غير ذات جدوى، إلا أننا كمسلمين يجب أن نتعامل معها كأمر واقع.