الشائعة هي انتشار أمر ما بين الناس دون أن يكون له دليل أو دون أن يُعرف مصدره، ودائما ما يكون الهدف من الشائعة إحداث البلبلة بين الناس وإشاعة الفُرقة والخلاف في المجتمع، الأمر الذي يساعد على تدمير الأمم. وقد ازدادت الشائعات في الفترة السابقة بشكل ملحوظ في مجتمعاتنا العربية، خاصة فيما يعرف بدول الربيع العربي، لذلك كان هذا التحقيق مع عدد من العلماء الذين علقوا على تفشي تلك الظاهرة في مجتمعاتنا، مبينين مدى تأثيرها السلبي، كما أوضحوا حكم الدين في مُروِّجيها.يقول د. أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية، إنه باستقراء فقه الواقع نجد أن ليس هناك زمان أو مكان يخلو من الشائعات والتي تصدر غالبا بسوء نية، ويكون هدفها إشاعة البلبلة والأباطيل.
مؤكدا أن هذا حدث أيضا في عهود جميع الأنبياء، فعلى سبيل المثال ما حدث في غزوة أُحد عندما أشاع أحد الكفار أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قُتل، وكاد هذا الزعم يزلزل ما تبقى من عزيمة لدى المسلمين، وتنبه النبي صلى الله عليه وسلم، إلى ذلك وأمر أن ينادى بأن الرسول مازال على قيد الحياة.
ويضيف أن أي حركة تصحيحية على مر العصور لها أعداؤها، ولذلك فإنه أمر طبيعي بالنسبة إلى ثورات الربيع العربي أن تكثر فيها الشائعات؛ لاسيّما في العالم الثالث - الذي ننتمي نحن إليه - نظرًا إلى تراجع الإدراك الفكري لدى الناس.
لكن المشكلة، كما يقول كريمة، تكمن في الاستهانة بالشائعة، الأمر الذي يجعلها تتزايد، فمثلاً شائعة قد تنال من أشياء مهمة في المجتمع كالاقتصاد فلا ينبغي أن يتم التعامل معها باستهانة، سواء على المستوى الجماعي أو الفردي.
فسق
ويؤكد أن من يروج الشائعة عن عمد أو قصد يدلل عليه القرآن ويصفه بأنه إنسان فاسق، وهو وصف بشع؛ لأن الفسوق من سمات المفرطين في الدين، إذا كانت هذه الشائعة تمثل ضررا بالدين أو بالدولة، مشيرا إلى أن إطلاق الشائعات من سمات الأعداء.
ولفت إلى أن من ينقل الشائعة عن غير وعي وبجهل يتحمل أيضا جزءا من المعصية والإثم؛ لأن واجب الإنسان أن يحفظ لسانه ويتأكد من الكلام الذي يقوله حتى لا يتسبب في إلحاق الأذى بالمجتمع، فهناك قاعدة فقهية تقول "المتسبب كالمباشر" والحديث النبوي الشريف يقول "لا ضرر ولا ضرار".
ويخلص أستاذ الشريعة الإسلامية إلى القول بأن القرآن الكريم رسم المنهج الذي يجب أن نتعامل به في حال ذيوع الشائعات، وذلك في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات: 6)، فأي مجتمع عرضة لهذه الشائعات، لكن الواجب على العقلاء والحكماء أن يتصدوا لهذا الأمر بالتصحيح الفوري.
إضرار بالغير وبالنفس
"من الأمور الواضحة أن الشائعة لا يكون الدافع لمطلقها الصالح العام أو الصالح الخاص".. هذا ما بدأ به د.محمد رأفت عثمان أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية وفقهاء الشريعة بأميركا، كلامه، وأضاف: إنما الدافع إليها هو الإساءة إلى شخص أو شيوع أمر هو بطبيعته ضار بالمجتمع يضيف عثمان أن الإضرار بالغير أو بالنفس من الأمور المحرمة شرعا، وتنطق بذلك آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله عز وجل: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195)، فالشائعة قد تؤدي إلى التهلكة، كما نجد في نصوص القرآن نهيًا عن الضرر في مجالات متعددة كمجال العلاقات الأسرية والميراث وغيرها من أمور الحياة، فيقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} (الأحزاب 58).
ويستكمل عضو مجمع البحوث الإسلامية حديثه:فإذا كانت الشائعة تخص أمرا من أمور الدولة فعلى المسؤول أن يبادر بإظهار الحقيقة في موضوع الشائعة، فلو كانت الشائعة تختص مثلاً بكميات مخزون القمح، فعلى وزير التموين أو المختص في هذا الأمر أن يخرج ليقول الحقيقة ليقضي على الشائعة.
إشاعة الفاحشة
من جانبه، أوضح د.عبدالمعطي بيومي، عميد أصول الدين السابق عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن الأغلب في إشاعة الشائعات يكون نتيجة الجهل أو رغبة في إشاعة الفاحشة ويقول الله تعالى فيمن يحبون إشاعة الفاحشة: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النور: 19).
ويحذّر بيومي من أن الذي يطلق الشائعات ينتهز جو القلق وتضارب الأخبار واختلاف الوقائع ويضيف فسادا إلى فساد، ويكون مزورا لشكل الحياة ولما يقع بين الناس، ولقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من قول الزور حين قال "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت". وهذا يدل على أن الشائعات قد تجر إلى فساد كبير وإلى ارتكاب الآثام والذنوب.
