تقوم التربية من منظور المفكر الإسلامي مالك بن نبي على قواعد منهجية مدروسة تفضي إلى تصحيح نظرة المسلم لذاته وللآخر، وقد حفلت كتاباته بكثير من القواعد والأسس التربوية الممنهجة التي تستهدف خلق جيل من الشباب المسلم يستحضر مقومات الرابطة الجماعية للأمة كما صاغها وبلورها الدين الإسلامي ومن تلك القواعد كما طرحها بن نبي في كتابه (مشكلة الثقافة) توجيه الأفكار. فمشكلة الثقافة من الوجهة التربوية لدى مالك بن نبي هي مشكلة توجيه الأفكار، ولذلك كان علينا أن نحدد المعنى العام لفكرة التوجيه، فهو بصفة عامة قوة بالأساس وتوافق في السير ووحدة في الهدف، فكم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكتلها. والتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت، فهناك ملايين السواعد العاملة والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية، صالحة لأن تستخدم في كل وقت، والمهم هو أن ندير هذا الجهاز الهائل المكون من ملايين السواعد والعقول، في أحسن ظروفه الزمنية والإنتاجية، وهذا الجهاز حين يتحرك يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود، وفي هذا تكمن أساساً فكرة توجيه الإنسان الذي تحركه دوافع دينية، وبلغة الاجتماع: الإنسان الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى (الجماعة) ومعنى (الكفاح).
والجماعة عند بن نبي تجد أساسها في قوله تعالى "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم" ((الأنفال: 63)).
إذ أن الدين لديه يبقى أساس الحضارة والتمدن بقوله: ليس من شك في أن نظرة المثقفين إلى المدنية الغربية مؤسسة على غلط منطقي، إذ يحسبون أن التاريخ لا يتطور ولا تتطور معه مظاهر الشيء الواحد الذي يدخل في نطاقه حتى أنك لتنظر إلى الشيء بعد حين فتحسبه قد تبدل شيئاً آخر، وما هو في الحق إلا الشي نفسه تنكر لك في مظهره الجديد. وإن شبابنا لينظرون إلى المدنية الغربية في يومها الراهن ويضربون صفحاً عن أمسها الراهن الغابر حين نبتت أولى بذورها وتلونت في تطورها ونموها ألواناً مختلفة، وما فتئت تتلون عبر السنين حتى استوت على لونها الحاضر فحسبناها نباتاً جديداً. ولو أننا تناولنا بالدراسة مشروعاً اجتماعياً كجمعية حضانة الأطفال في فرنسا، لبدا من أول وهلة أنها جمعية تقوم على شؤونها دولة مدنية، ونحكم بأنها مؤسسة نشأت في بادئ أمرها على أسس مدنية (لا دينية)، بينما لو درسنا تاريخها ورجعنا إلى أصول فكرتها الأولى لوجدناها ذات أصل مسيحي، فهي تدين بالفضل للقديس (فا نسان دي بول) الذي أنشأ مشروع الأطفال المشردين خلال النصف الأول من القرن السابع عشر. غير ان نظرتنا العابرة هذه جعلتنا ننظر إليه وكأن تأريخه قد ابتدأ من يوم أن التفتت أنظارنا إليه فأعرناه بعض اهتمامنا، وذلك شأن شبابنا في نظرتهم للأشياء، ولسوف نصل في النهاية إلى الروابط الدينية الأولى التي بعثت الحضارة، وهذه حقيقة كل عصر وكل حضارة.