«سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» ((الإسراء: 1)).

"عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوّل مسجد وضع في الأرض، قال: المسجد الحرام، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: وكم بينهما؟ قال: أربعون عاماً".

وعن ذي الأصابع قال: قلت: يا رسول الله إن ابتُلينا بعدك بالبقاء أين تأمرنا؟ قال: «عليك ببيت المقدس، فلعلّه أن ينشأ لك ذرّيّة يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون" .

 

إنّا على عهدِ الوفاءِ بلادَنـــــــا ولنا إليك تَطَــــلُّعٌ وإيـــــابُ

فَلَنا من الحُبِّ الذي علَّمْتِـــــنا سِفْرٌ، يؤجِّجُ حُبَّنــــا وكِتـابُ

ولنا من اسْمِكِ سُورةٌ محفوظةٌ تبقى وعزْمٌ خـــالدٌ وثَّــــابُ

فإذا تَمَادى الغاصِبون فصَبْرُنا أقْوى: وَوَقْدُ صُمودِنا غَلّابُ

 

يَا فلسْطينُ مَا برحْنَا على العهدِ

فأنـــت المنى وكلُّ المُــــــــرادِ

يا عروسَ الآمال لا عشــتُ إِن

لمْ أدفعِ المهْر منْ دمي وفـؤادي

وحَرامٌ عليَّ ما دمتِ نهْبــــــــاً

نفحَاتُ السُّــــرورِ والأعيــــــادِ

 

لا شكّ أنّ مدينة القدس إسلاميّة، فهي قلب الأمّة العربيّة الإسلاميّة، وبوصلتها في كلّ حين، لكنّ الأيّام دولٌ، فقد تأخّر المسلمون، وتغلّب اليهود عليهم، فاستولوا على مدينة القلوب، ولمّا وجدوا السّكان العرب (مُسلميهم ومسيحييهم) كُثراً، أخذوا بقتلهم، ومصادرة أراضيهم ودورهم، بداية الأمر، ثمّ لمّا استقرّ معظم القدس لسيطرة اليهود، أخذوا يحاولون الاستيلاء على مزيد من الأراضي، بحجج واهية تارةً، وبالاستناد إلى قوانين أكل عليها الدّهر وشرِب تارةً أخرى. ولعلّ أحد أبرز أشكال الاستيطان الحالي؛ هو جدار الضّمّ التّوسعي، الذي سيحيط بالقدس ويجعلها مبتورة عن أخواتها.

ندواتٌ ومؤتمراتٌ ولقاءاتٌ، ومناظراتٌ ومهرجاناتٌ عديدةٌ ومتنوّعةٌ، عقدت مؤخّراً في عواصم عربيّة وغربيّة حول (القدس) الأسيرة، وتوصيات هذه النّشاطات والفعاليّات دعت جميعها إلى ضرورة توفير المزيد من الدّعم لهذه المدينة، والعمل الجادّ الدؤوب للحفاظ على عروبتها.

(القدس) شعار مربح للعديد من "الدّكاكين" التي تُتاجر بها. جميع الأشخاص يتحدّثون عن القدس. جميعهم يجيدون فنّ الدّفاع النّظري عنها. وجميعهم ينظرون حول ما يجب فعله وعمله لتعزيز صمود المواطن. والغريب أنّ أموالاً طائلة خصّصت للقدس ولكنّ القدس لم تحظ بها. ولم تستخدم هذه الأموال والمساعدات لصالح القدس، بل صرفت على مؤسّسات تحمل اسم (القدس)، ولكنّها ليست في القدس ولا تعمل من أجل القدس، بل من أجل مصالح ذاتيّة لجهة ما أو لشخصيّة معينة.

نقول وبصراحة إنّ القدس العربيّة ليست حقّاً في القلب. (القدس) مجرّد شعار يرفع من أجل التّغطية على التّقصيرات العديدة. أبناء القدس المرابطون هم الذين يدافعون عن عروبة المدينة ومقدّساتها. وهم الذين يدفعون ثمن بقائهم الفعّال على ثرى هذه المدينة. وكثيرون لا يعرفون ولا يقدّرون هذا الثّمن. أبناء القدس غير مقصّرين فيكفيهم صمودهم ووجودهم في المدينة! ويكفيهم ما يعانونه. لقد حان الوقت كي يتولّى ابن القدس إدارة شؤونه وحده.

وحان الوقت كي يعرف كلّ من يحبّ القدس أنّه لا بدّ من إيجاد آليّة لدعم هذه المدينة بعيداً عن الآليّات السّابقة التي ثبت فشلها. وحان الوقت كي لا نكون تحت رحمة من يتاجرون بالمدينة ومستقبلها. ومعذرةً إن أغضبنا كثيرين ولكن لا بدّ من كشف الحقيقة، وكشف التّقصير لعلّ وعسى أن يتحرّك أصحاب الضّمائر الحيّة، ليعيدوا القدس إلى القلب الجديد! في مقالنا هذا نهدف إلى أن نعرّف معنى الاستيطان؛ بأنّه أحد أشكال الاحتلال، ونتعرّض لأشهر الأساليب المتّبعة للاستيطان، وبعض صور الاستيطان في القدس الشّريف، وبيان الهدف من الاستيطان، وهو بشكل عامّ؛ محاولة تهويد القدس، ومنع إقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة، وبسط المركزيّة لليهود.

 

رئيس قسم أصول الدين في جامعة النجاح