المجتمع المسلم يمتلك قوى ذاتية دافعة، ولديه الكثير من عوامل القوة، فضلاً عن أنه يمتلك قواعد بنائه بما يشتمل عليه من قيم وعلوم وتراث عريق قوامه مئات السنين المليئة بالتجارب الأخلاقية والإنسانية والعلمية.
وكذلك يتميز المجتمع الإسلامي بأن حباه الله بالكثير من عوامل البناء التي تقوده إلى النهضة والتقدم، بدءاً من الإنسان خليفة الله في الأرض، مروراً بالروابط الاجتماعية بين المسلمين، وانتهاء بالعمل التطوعي الذي يلعب دوراً مهماً وحيوياً في بناء المجتمعات.
وحول هذا الأمر يتحدث عدد من الخبراء والمختصين، فتقول الناشطة الفرنسية عائشة الهلالي: إن بناء شبكة من العلاقات بين أفراد المجتمع هي أولى خطوات البناء، والمثال الحي هو الميثاق الذي عقده الرسول «صلى الله عليه وسلم» بين المهاجرين والأنصار عند تأسيس دولة الإسلام في المدينة المنورة، ويلي ذلك عملية غرس القيم والأفكار.
وتطرقت الهلالي إلى العمل التطوعي معتبرة أنه يلعب دوراً مهماً في بناء المجتمعات، فثقافة «التطوع» من الممكن أن تقيم مجتمعاً كاملاً، فألمانيا أقرّت بعد الحرب العالمية الثانية ساعتين إضافيتين بدون أجر لمدة عشر سنوات لكي تنهض.
وأشارت إلى مبدأ التكافل الاجتماعي قائلة «لا يمكن بناء مجتمع عادل ومنصف بدون التكافل الاجتماعي ولو فقط طبقنا مبدأ التكافل الاجتماعي الذي أقره الإسلام لأصبح المسلمون أغنى الناس».
ثلاثة مستويات
من جانبه، قال الباحث في مجال هندسة اللغة أيمن عبدالرحمن: إننا، كمسلمين، كي نبني مجتمعاً سليماً لا بد أن نراجع تصوراتنا عن ذواتنا، وأن نعرف أن بناء معظم المجتمعات الإسلامية يقوم على ثلاثة مستويات، وهي الطبقات الحاكمة والجماعات الوسيطة، ثم أخيراً المجتمع، وتعتبر الجماعات الوسيطة صلب هذه المستويات الثلاثة، ومن شروطها توافر المكوّن الأخلاقي والتربوي لديها.
وأوضح أن هناك جماعات وسيطة دينية وتعليمية واقتصادية وعسكرية، ومع ذلك تعد الأحزاب السياسية جماعات وسيطة زائفة في كثير من الدول الإسلامية؛ لأنها لا تقوم بمهمة واضحة في بنية الدولة.
وأضاف أن أول معول لهدم المجتمعات هو إفساد تصور بنية المجتمع التي تقوم على طبقة حاكمة، جماعات وسيطة، ثم المجتمع، فقد ظل الفرنسيون في مصر عامين، ولكن الإنجليز بقوا فيها 74 عاماً؛ لأن الإنجليز نجحوا في القضاء على الجماعات الوسيطة، بينما نابليون قام بالقضاء على الطبقة الحاكمة ولم ينجح في القضاء على الجماعات الوسيطة.
وأشار إلى صلح «وستفاليا» الذي كان نقطة البدء في قيام الدول الأوروبية الحديثة والذي تأثر المسلمون به وبتجربة محمد علي المسماة بدولة مصر الحديثة وفيها تتكون الدولة الحديثة من حكومة مركزية قوية ومجتمع ملك للحكومة ينتظر الأوامر.
واختتم: من مساوئ الدولة الحديثة أن يصبح عالم الدين موظفاً في يد الدولة فيتقاضى أجراً على إمامته للناس في الصلاة، والحقيقة أن المجتمع هو الذي يقوم بتحديد مهامه لتنفذها الجماعة الوسيطة والحاكم هو مجرد مراقب.
