جسد عملاق، ويختزن في داخله قوة رهيبة، ولكنه حاليا يجثو على ركبتيه، بلا حراك، وكثير ممن حوله ينهش من هذا الجسد، ويقتطع منه، ويجترئ عليه، بعد أن كان مهاب الجانب. هذا هو وضع العالم الإسلامي حاليا الذي أصبح عرضة لهجوم الأمم الأخرى، متمثلا بتطاول الآخرين على الإسلام بصفة عامة، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة. هذه الحالية الاستثنائية التي تعيشها أمتنا تحدث حولها محمد بن بريكة الأستاذ في جامعة الجزائر وعضو المركز العالمي لحوار الحضارات، مرجعا السبب فيها إلى الظروف الاقتصادية التي تعيشها الدول الإسلامية، وكذلك إلى نقص التربية الإسلامية للفرد، ومؤكدا أن الهوية الإسلامية وحدد أربعة محاور لتجديد الخطاب الديني.

وهذا نص الحوار:

ما أسباب التشتت الذي يعيشه العالم الإسلامي؟

- أسباب عدة على رأسها الظروف الاقتصادية التي مرّت بها الدول العربية والإسلامية، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية المالية العالمية التي ألقت بظلالها على كل دول العالم سواء المتقدمة أو المتخلفة، ومن ثم اتجهت كل دولة إلى التركيز في مصالحها دون النظر إلى علاقاتها بالدول العربية والإسلامية الأخرى. وسبب آخر مهم يتمثل في عدم التزام الأجيال السابقة من العلماء والمفكرين بتسليم دفة الأمور إلى الأجيال اللاحقة، الأمر الذي جعل الأخيرة تعتمد على وسائل الإعلام الحديثة في تلقي معلوماتها كرد فعل لغياب من يرجعون إليه في القضايا الخلافية، ومن هنا جاء تبني قطاع من الشباب للعنف المسلح.

من المسؤول عن ذلك؟

- هذه مسؤولية المربين والعلماء والدعاة وكل من له موقع في السياسة. إلا أن النواة الأولى في إصلاح هذا الأمر هي الأسرة التي يجب أن يكون لها الرقابة المهذبة على أبنائها.

 

مواقف متشنجة

وما الحل للقضاء على التشنج الذي يعيشه قطاع من الغرب تجاه الإسلام والمسلمين؟

- الحل في الحوار مع الآخر عبر عدد من الوسائل مثل حوار كبار المفكرين من الطرفين حول أسس التعايش الإنساني المشترك بين شعوب العالم، وكذلك عبر الإعلام الهادف والكتابة وتفاعل المؤسسات العلمية والمنتديات المعرفية والثقافية.

وما القواعد التي يجب أن تحكم هذا الحوار؟

- نحن أصحاب قضية عادلة؛ لذا لا يجب أن يكون موقف المسلمين في الحوار مع الآخر هو موقف الضعيف، وإنما يجب أن يكون الحوار بين الند لـالند، لاسيّما أن موقفنا عادل لا يستطيع أحد أن يزايد عليه، كما أننا نعرض صفاء ديننا وموقفنا، ومن ثم لا يوجد مبرر لأن يكون موقفنا ضعيفا.

العلمانيون الأوروبيون يرون أن الإسلام يتعارض مع العلم وأنه يجب الفصل بين الطرفين إذا كانت الأمة الإسلامية تريد أن تتقدم؟

- هذه رؤية مبنية على أسس واهية ليس لها سند علمي أو تاريخي. ومن ينظر إلى التاريخ يجد أن الغرب أخذ عن المسلمين كثيرا من النظريات في العلوم المختلفة سواء كان ذلك في علوم الفلك أو الرياضيات أو الكيمياء أو الطب. وبالطبع لم يكن ذلك ليحدث إلا في ظلال التقدم العلمي الذي وصل إليه المسلمون في تلك الحقب التاريخية الماضية، ولم يكن ذلك ليحدث بدوره لولا احترام الدين الإسلامي للعلم وتقديره للعلماء، في الوقت الذي كانت أوروبا تعيش عصورا شديدة الظلمة على خلفية الصراع بين العلم والدين هناك؛ لذا فإن كان الفصل بين العلم والدين شرطا أساسيا لتقدم المجتمعات الأوروبية -طبقًا لمعطيات هذه المجتمعات- فإنّ هذا الشرط لا مكان له في المجتمعات الإسلامية التي يتكامل فيها الدين والعلم.

 

زحف فكري

كيف ترى الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني؟

- بالطبع أؤيد هذه الدعوة التي يجب أن تعتمد على الربط بين الأصالة والمعاصرة، ويجب أن تكون عبر أربعة محاور رئيسة: الأول هو تجديد بعض المفاهيم بما يتناسب مع طبيعة العصر. والثاني الاهتمام ببعض القضايا المهملة من الخطاب الديني. أما المحور الثالث فهو التجديد في وسائل طلب العلم لتكييف الوسائل التعليمية مع الوسائل المعاصرة. والمحور الرابع التجديد في مجال التعاطي مع مفهوم الإنسان، خاصة ونحن نعيش في عالم أشبه بالقرية الواحدة.

ولكن في هذه القرية باتت المجتمعات الإسلامية مهددة بالأفكار والتقاليد الغربية التي لا تناسب قيمنا!

- بالطبع هناك زحف فكري على المجتمعات الإسلامية يهدف إلى هدم القيم الإسلامية والعربية الأصيلة من خلال إدخال بعض العادات والتقاليد الغربية وإقناع المسلمين بها تحت ستار المدنية والتقدم والحرية. وهذا الزحف يمتد من خلال وسائل الإعلام سواء المقروءة أو المسموعة أو المرئية، حيث توضع الأفكار الغريبة على ثقافتنا في أشكال إعلامية مشوقة قد تكون قصة أو مقالة أو حتى فيلما سينمائيا أو بالصورة، وهذا التشويق في طرح الفكرة يساهم في تسهيل وصولها إلى المتلقي وسرعة استيعابه لها رغم أنها قد تكون متناقضة مع ثقافته. وهناك المدارس والجامعات خاصة الأجنبية والتي تعد من أقصر الوسائل لوصول هذه الأفكار إلى مجتمعاتنا.

هل هذا يعني أن الهوية الإسلامية أصبحت مهددة؟

- بالطبع. الهوية الإسلامية باتت مهددة بالأفكار الوافدة حتى يمكننا أن نقول إن الهوية الإسلامية تخوض حربا ضروسا من أجل المحافظة على نفسها. وما زاد من صعوبة الموقف هو تبني عدد ممن يطلق عليهم لقب مفكرين وترويجهم لهذه الأفكار.