حمل القرآن الكريم، فيما حمله من قيم عليا، فضيلة العلم، وشدد على أهميتها، وأنها تكسب الإنسان فضلا ومكانة إذا ما اقترنت بالعمل والتواضع، ومن ذلك ما نصت عليه الآية التالية:
((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) البقرة: (247)
جاء في تفسير الجلالين:
«وَقَالَ لَهُمْ نَبِيّهمْ إنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوت مَلِكًا قَالُوا أَنَّى» كَيْفَ «يَكُون لَهُ الْمُلْك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ» لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سَبْط الْمَمْلَكَة وَلَا النُّبُوَّة وَكَانَ دَبَّاغا أَوْ رَاعِيا «وَلَمْ يُؤْتَ سَعَة مِنْ الْمَال» يَسْتَعِين بِهَا عَلَى إقَامَة الْمُلْك، قَالَ النَّبِيّ لَهُمْ «إنَّ اللَّه اصْطَفَاهُ» اخْتَارَهُ لِلْمُلْكِ «عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَة» سَعَة «فِي الْعِلْم وَالْجِسْم» وَكَانَ أَعْلَم بَنِي إسْرَائِيل يَوْمئِذٍ وَأَجْمَلهمْ وَأَتَمّهمْ خَلْقا «وَاَللَّه يُؤْتِي مُلْكه مَنْ يَشَاء» إيتَاؤهُ لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ «وَاَللَّه وَاسِع» فَضْله «عَلِيم» بِمَنْ هُوَ أَهْل لَهُ.
أما ابن كثير، فقد قال في تفسير الآية:
أَيْ لَمَّا طَلَبُوا مِنْ نَبِيِّهِمْ أَنْ يُعَيِّن لَهُمْ مَلِكا مِنْهُمْ فَعَيَّنَ لَهُمْ طَالُوت وَكَانَ رَجُلًا مِنْ أَجْنَادهمْ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْت الْمُلْك فِيهِمْ لِأَنَّ الْمُلْك كَانَ فِي سَبْط يَهُوذَا وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ ذَلِكَ السَّبْط فَلِهَذَا قَالُوا «أَنَّى يَكُون لَهُ الْمُلْك عَلَيْنَا»، أَيْ كَيْف يَكُون مَلِكًا عَلَيْنَا «وَنَحْنُ أَحَقّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَة مِنْ الْمَال»، أَيْ ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا فَقِير لَا مَال لَهُ يَقُوم بِالْمُلْكِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ سَقَّاء وَقِيلَ دَبَّاغا وَهَذَا اِعْتِرَاض مِنْهُمْ عَلَى نَبِيّهمْ وَتَعَنُّت وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِمْ طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف ثُمَّ قَدْ أَجَابَهُمْ النَّبِيّ قَائِلًا «إِنَّ اللَّه اِصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ» أَيْ اِخْتَارَهُ لَكُمْ مِنْ بَيْنكُمْ وَاَللَّه أَعْلَم بِهِ مِنْكُمْ، يَقُول لَسْت أَنَا الَّذِي عَيَّنْته مِنْ تِلْقَاء نَفْسِي بَلْ اللَّه أَمَرَنِي بِهِ لَمَّا طَلَبْتُمْ مِنِّي ذَلِكَ، «وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ» أَيْ وَهُوَ مَعَ هَذَا أَعْلَم مِنْكُمْ وَأَنْبَل وَأَشْكَل مِنْكُمْ وَأَشَدّ قُوَّة وَصَبْرًا فِي الْحَرْب وَمَعْرِفَة فِيهَا أَيْ أَتَمَّ عِلْمًا وَقَامَة مِنْكُمْ وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْمَلِك ذَا عِلْم وَشَكْل حَسَن وَقُوَّة شَدِيدَة فِي بَدَنه وَنَفْسه، ثُمَّ قَالَ «وَاَللَّه يُؤْتِي مُلْكه مَنْ يَشَاء» أَيْ هُوَ الْحَاكِم الَّذِي مَا شَاءَ فَعَلَ وَلَا يَسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يَسْأَلُونَ لِعِلْمِهِ وَحِكْمَته وَرَأْفَته بِخَلْقِهِ، وَلِهَذَا قَالَ «وَاَللَّه وَاسِع عَلِيم» أَيْ هُوَ وَاسِع الْفَضْل يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء عَلِيم بِمَنْ يَسْتَحِقّ الْمُلْك مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقّهُ.
وجاء في تفسير القرطبي:
أَيْ أَجَابَكُمْ إِلَى مَا سَأَلْتُمْ، وَكَانَ طَالُوت سَقَّاء. وَقِيلَ: دَبَّاغا. وَقِيلَ: مُكَارِيا، وَكَانَ عَالِما فَلِذَلِكَ رَفَعَهُ اللَّه عَلَى مَا يَأْتِي: وَكَانَ مِنْ سِبْط بِنْيَامِينَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ سِبْط النُّبُوَّة وَلَا مِنْ سِبْط الْمُلْك، وَكَانَتْ النُّبُوَّة فِي بَنِي لَاوَى، وَالْمُلْك فِي سِبْط يَهُوذَا فَلِذَلِكَ أَنْكَرُوا. قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه: لَمَّا قَالَ الْمَلَأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لِشَمْوِيل بْن بَال مَا قَالُوا، سَأَلَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَبْعَث إِلَيْهِمْ مَلِكا وَيَدُلّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ: اُنْظُرْ إِلَى الْقَرَن الَّذِي فِيهِ الدُّهْن فِي بَيْتك فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْك رَجُل فَنَشَّ الدُّهْن الَّذِي فِي الْقَرَن، فَهُوَ مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل فَادْهِنْ رَأْسه مِنْهُ وَمَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَكَانَ طَالُوت دَبَّاغا فَخَرَجَ فِي اِبْتِغَاء دَابَّة أَضَلَّهَا، فَقَصَدَ شَمْوِيل عَسَى أَنْ يَدْعُو لَهُ فِي أَمْر الدَّابَّة أَوْ يَجِد عِنْده فَرَجا، فَنَشَّ الدُّهْن عَلَى مَا زَعَمُوا، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ شَمْوِيل فَأَخَذَهُ وَدَهَنَ مِنْهُ رَأْس طَالُوت، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل الَّذِي أَمَرَنِي اللَّه تَعَالَى بِتَقْدِيمِهِ، ثُمَّ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيل: «إِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوت مَلِكًا». وَطَالُوت وَجَالُوت اِسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ مُعَرَّبَانِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفَا، وَكَذَلِكَ دَاوُد، وَالْجَمْع طَوَالِيت وَجَوَالِيت وَدَوَاوِيد، وَلَوْ سَمَّيْت رَجُلًا بِطَاوُس وَرَاقُود لَصَرَفْت وَإِنْ كَانا أَعْجَمِيَّيْنِ. وَالْفَرْق بَيْن هَذَا وَالْأَوَّل أَنَّك تَقُول: الطَّاوُس، فَتُدْخِل الْأَلِف وَاللام فَيُمْكِن فِي الْعَرَبِيَّة وَلَا يُمْكِن هَذَا فِي ذَاكَ.
