في أحضان جامعة الأزهر، حيث قاعة محمد عبده، أحد علماء الفقه الحديث وأعلام النهضة العربية والإسلامية، نظمت رابطة خريجي الأزهر مؤخراً حفلاً للاحتفاء بمرور الذكرى الخامسة عشرة لوفاة الشيخ محمد الغزالي، أحد أبرز علماء الإسلام في العصر الحديث.
وجاءت الذكرى الخامسة عشرة لوفاة محمد الغزالي لتذكرنا بعالم وداعية أفنى عمره في الدعوة وخدمة الإسلام تاركاً وراءه تراثاً كبيراً من الكتب والمقالات والخطب والمحاضرات. فكتب وخطب عن فهم للإسلام والدعوة إليه، وردَ على الشبهات التي أثارها المستشرقون وفنّد أسباب تأخر العرب والمسلمين والفساد السياسي، وكتب تنمية المجتمع وغيرها من القضايا التي لمست الواقع الأليم وأخذت تشخص الداء وتبحث عن الدواء.
حضر الاحتفاء كوكبة من العلماء المسلمين للتحدث عن الشيخ الغزالي. «لم يكن مجرد داعية ولكن قلب نوراني يشع بالعلم والنور والدعوة». بهذه الكلمات وصف المفكر الإسلامي د.محمد عمارة، الغزالي، موضحاً أنه كان تلميذ الشيخ محمد عبده، وأنه كان فارساً من فرسان الفكر في مواجهة الاستبداد المالي والإقطاع والرأسمالية المتوحشة، ملقياً الضوء على مؤلفاته ككتاب «هموم داعية» الذي تناول فيه ما ينبغي أن يشغل الداعي إلى الله وكتاب «الإسلام والأوضاع الاقتصادية» الذي قدم فيه مشروعاً فكرياً للإصلاح الاقتصادي، وكتاب «دستور الوحدة الثقافية» الذي قدم فيه زاداً فكرياً لمواجهة استبداد السياسة.
أضاف عمارة «كنت مصاحباً للغزالي في كل لقاءاته لأني كنت استخرج العلم منه». وتابع: «لقد كان الغزالي في كل رحلاته يجلس على قائمة الانتظار بينما غيره يجلسون في قاعات كبار الزوار، وأذكر أن أحد معارضيه اتهمه بأنه عدو للسنة، فبكى وقال: «بل أنا حاضن وعاشق لرسول الله صلى الله عليه وسلم». وختم حديثه بالترحم والدعاء له. وتحدث د.عبد المنعم أبو الفتوح، أحد المرشحين الإسلاميين لرئاسة مصر، عن دور الغزالي في تنحية العنف عن فكر الجماعات الإسلامية، قائلاً: لولا فضل الله ثم جهاد الشيخ سيد سابق ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي لاندفعت الحركة الإسلامية في اتجاه العنف، فبفضلهم خصم أكثر من 95% من رصيد العنف في مصر والذي لو كان لحرق الأخضر واليابس.
بينما قال د. محيي الدين عفيفي، عميد كلية الدعوة الإسلامية، إن الغزالي جمع بين مهارة ومهنية الداعية ودقة نظر المفكر، واستطاع الجمع بين الأصالة والمعاصرة، فسيرته تعكس واقع الأزهر الذي يؤمن بالتعددية الفكرية. وتابع: تحدث الغزالي منذ عقود عن القضايا الاقتصادية والأوضاع العالمية فكان أنموذجاً للفكر الحر الذي لم تقتصر دعوته على المسلمين. وأوضح أن الغزالي كان يرى أن القرآن مصدر للمعرفة والثقافة وليس فقط المهم حفظه وإجادة تلاوته مع أهميتها. بدوره أوضح الشيخ أسامة السيد أزهري، المدرس بكلية أصول الدين، أن هناك معاني ثلاثة سرت إلى قلب محمد الغزالي فحركته، وهي: «الهم، الهمة، إدراك المهمة».
وأضاف: كما يتلخص أيضاً الغزالي في ثلاث كلمات أخرى يقوم عليها المنهج الأزهري وهي: العلم والدعوة والعبادة، فقد كان خطيباً مفوهاً وتالياً لكتاب الله يقرؤه في غدوه ورواحه، وكان رقيق القلب متصدياً للشأن العام وخائضاً لغمار الحياة السياسية ومقتحماً لمشكلاتها.
وتحدث أزهري عن كتاب «جدد حياتك» والذي ألّفه الغزالي بعد أن قرأ للمؤلف الإنجليزي المتخصص في «تطوير الذات» ديل كارناجي ووجد أن كل ما ذكره موجود في كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ألف كتاب «جدد حياتك».
وفي كلمة الشيخ حسن الشافعي الرئيس الأسبق للجامعة الإسلامية في باكستان، قال إن مقالات الغزالي تناولت محنة الدعوة الإسلامية بين المحدثين والقدامى والتدين الزائف الذي يقتصر على تقصير الثياب وإطلاق اللحى، فضلاً عن تطرقه إلى قضايا مهمة مثل المرأة المسلمة ودورها في الحياة العامة والديمقراطية باعتبارها الآلية المعاصرة لتطبيق الشورى. وتابع: كان حريصاً على الزي الأزهري شرف العلماء، وكان على حذر من الغزو الفكري الغربي، لكنه في نفس الوقت يستفيد من تجاربهم مادامت لا تتعارض مع الإسلام.
وختم حديثه بقوله: كانت آخر جولة للغزالي في الرياض، حيث جاءت اللحظة الفاصلة والأجل المحتوم وسط حشد من كبار العلماء، حيث وافته المنية وهو يدافع عن الإسلام ودفن بالبقيع.
