قال الشيخ: إلى أي حد يمكن أن يعتمد خطابنا الإسلامي أو دعوتنا إلى الله عز وجل على ما يقدمه الإرشاد النفسي من معلومات عن نفسية المخاطب أو المدعو؟ الحق أننا مأمورون بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن هذا يوجب علينا أن نفيد من كل العلوم المتاحة من أجل الوصول إلى خطاب ناجع قادر على إحداث التغيير اللازم في حياة الفرد والمجتمعات.

ونحن لا نقول إن على كل الخطاب الإسلامي أن يتحول إلى إرشاد نفسي إسلامي، ولكن المسألة تتعلق بشرائح من الناس قد يحتاجون إلى الدعم والمساعدة لتجاوز أشكال من الضلال والانحراف وهذا يوجب إعادة بناء للنظر في مفهوم الضلال والانحراف وكيفيات التعامل معه.

حتى الآن ينظر إلى الضلال أو الانحراف السلوكي معصية وهبوط همة مما أطلقنا عليه اسم سلوكات الخمول في الخطاب الإسلامي بشكل عام من الناحية الأخلاقية من حيث الإدانة التي تصل إلى حد الاتهام والترهيب والتعامل مع الضال أو المنحرف عبر آليات الوعظ المباشر المنقولة من عصور سابقة، ومع أن هذا المنظور له ما يبرره ويجعله نافعا مع طبقات كبيرة من الناس إلا أننا نرى أن للضلال والانحراف معصية أو خمولا أسباب ونتائج في فكر ونفس صاحبهما، وأن التعامل مع هذه المتغيرات أو العوامل النفسية أمر هام وحيوي وفعال في مواجهة مثل هذه الحالات.

 

تشوهات نفسية

والأمر لا يتعلق ببعض أفراد قد يحتاجون إلى مثل هذا النوع من المساعدة، فمما لا شك فيه أننا اليوم نعاني من اختراقات ثقافية أدت إلى تشوهات نفسية وأخلاقية عامة مما يمكن وصفه بالضلالات العامة أو الانحرافات المنتشرة، وهذا من شأنه أن يجعل التربة غير مهيأة لسلوكات الطاعة والتقرب حسب التصور الإسلامي الصحيح لها.

مثال ذلك مفهوم الحياء الذي يعتبر مفهوما إسلاميا أصيلا وسمة شخصية جوهرية يتصف به كل من الرجل والمرأة بكيفيات مختلفة تتناسب مع الصفات والأدوار الجنسية، فمن الواضح أن هذا المفهوم أو هذه السمة صارت مهددة وأحيانا غائبة بدرجات متفاوتة عند كثيرين من الشباب والشابات المسلمات، مما يجعل الالتزام ببعض الواجبات الشرعية ذات الصلة صعبا أو غير مبرر.

 

اختراق ثقافي

كما أن المد الثقافي التغريبي الإعلامي ساعد على انتشار تشوهات خلقية ونفسية مفهومية وسلوكية خطرة تتصادم مع مشاعر وسلوكات الطاعة والولاء لله تعالى ودينه، من هنا نجد أن هناك أعراضا جماعية تستلزم تدخل خدمات الإرشاد النفسي في الخطاب الإسلامي تشخيصا وعلاجا لظواهر قد لا يجدي معها الخطاب الأخلاقي التقليدي.

لقد أدى الاختراق الثقافي والأخلاقي إلى مشكلات في تقبل الخطاب الإسلامي خطاب الدعوة والوعظ لعل من أهمها الزهد في التوجيه الأخلاقي حيث نعت خطاب الدعاة أو المربين المسلمين بأنه خطاب يجب ولا يجب، أو خطاب أوامر ونواه، من هنا كان لا بد لنا من الوقوف على هذه المشكلات وتلافيها في الدعم الذي يمكن أن يقدمه الإرشاد النفسي الإسلامي للناس.

ولكن إلى أي حد يمكن النظر إلى (الضلال) أو (الانحراف) السلوكي أو (سلوكات العصيان والخمول) باعتبارها مشكلات سلوكية أكثر منها ضلالات مدانة، ألا يمكن وصف هذه المشكلات بأنها سلوكات خاطئة متعلمة أي مكتسبة وليست فطرية أو أصلية؟ وهي ذات صلة بالتركيب الشخصي الفكري والقيمي والأخلاقي لصاحبها وللبيئة التي يعيش فيها؟ إن الدارس لعلوم التربية يمكن أن يفهم العلاقات بين التكوين الشخصي الفكري والقيمي والعاطفي والسلوكات المختلفة، ويمكن أن يفهم صلة التربية والتنشئة بالترغيب والترهيب والتعزيز الإيجابي والسلبي والارتباط والاشراط بالشخصية وسلوكاتها، وفي ظننا أن دوراً إرشادياً نفسيًا إسلامياً لا يقل أهمية عن التربية الإسلامية في تكوين أشخاص ناضجين وفاعلين وأصحاء إسلامياً مع بقاء الخطاب الإسلامي التربوي والأخلاقي التقليدي ممارساً لدوره بين الشرائح الواسعة من الناس.