هذا رجل من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ولكن موقفه لم يكن أمام أحد من الصحابة أو من المسلمين، وإنما كان أمام هرقل قيصر الروم لقد كان موقفه يجسد إيثار المسلمين من الرعيل الأول بعضهم بعضاً وحب بعضهم بعضاً كان يجسد الحديث الشريف، ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) تمام التجسيد، كما علمهم المربي الأول، رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، لذلك كان قرنهم خير القرون، ولذلك أحببت أن اذكر موقفه هذا ليكون درساً لنا، لنتأسى برجال القرن الأول خير القرون ونعود إلى أخلاق الصحابة الكرام، رضي الله تعالى عنهم، فنستعيد عند ذلك وحدتنا وقوتنا وعزتنا وكرامتنا.

عبد الله بن حذافة بن قيس القرشي، رضي الله تعالى عنه، صحابي جليل من المهاجرين أسلم قديماً وهاجر إلى الحبشة وأرسله النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بكتابه إلى كسرى عندما أرسل الكتب إلى ملوك الدول حوله ليدعوهم إلى الإسلام، شهد فتح مصر وتوفي بها في أيام عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه سنة 33 هـ.

بعد أن استقرت دولة المسلمين في الشام وتولى أمرها معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، من قبل سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، كتب إليه سيدنا عمر يقول اغز الروم، وول على جيش الغزو عبد الله بن حذافة السهمي، فخرج عبد الله بالجيش لغزو الروم وأوقع بهم ولكنه بينما كان في ثلة قليلة من أصحابه فاجأهم كمين من الروم في القسطنطينية قالوا له : هذا الرجل عبد الله بن حذافة من قريش ومن أصحاب نبيهم المقربين إليه وكان هرقل يسمع عن صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويعجب من أمرهم. ومما فعلوه به وبجيشه وكيف أخرجوه من الشام مذموماً مدحوراً على الرغم من قلة عددهم وكثرة عدد جيشه وكان يحب أن يرى بعضهم ليختبرهم بنفسه وليرى أي نوع من الرجال هم.

لذلك دفعه هرقل إلى أحد رجال الروم وقال له: أجعه ثم أطعمه لحم الخنزير فأجاعه الرجل وكان يأتيه كل يوم بلحم خنزير فيضعه أمامه ليأكله ولكن عبد الله بن حذافة كان يعرض عنه ويقول هذا طعام لا يحل لنا أكله ومضى على ذلك أيام حتى أشفى على الهلاك فأخبر الرجل هرقل بذلك فقال له : أطعمه ما يريد من غير لحم الخنزير ثم أعطشه وأعطه خمراً ليشربها بدلاً من الماء ففعل ذلك ولكن عبد الله كان يعرض عن الخمر أيضاً .

ويقول هذا شراب لا يحل لنا شربه حتى أشفى على الهلاك أيضاً فأخبر الرجل هرقل بذلك وقال له: إن كانت لك حاجة في الرجل فأطعمه ما يريد ودعه يشرب ما يريد قبل أن يهلك فقال هرقل دعه يأكل ويشرب ما يريد إنني بلوته بالضراء وسأبلوه بالسراء أرسلوا إليه أفخر الطعام والشراب والثياب والجواري الحسان، فأرسلوا إليه ولكن عبد الله ما كان يلتفت إلى شيء من ذلك كان لا يأكل إلا قوتاً ولا يشرب إلا كفافاً ولا يبدل ثوبه إلا إذا اتسخ وما كان يلتفت إلى الجواري والقيان وقد سألهن هرقل: أما كان منه إليكن حركة ؟ فقلن: لا والله ما التفت إلينا.