قال الشيخ: يقول النورسي في نوافذه على الإيمان: «وكذا تسخير ذرات جامدة عاجزة جاهلة للقيام بمهام في غاية الانتظام والشعور والقدرة والحكمة، وجعل (عالم الذرات) ما يشبه مزرعة عظيمة هائلة تزرع فيها كل حين عوالم، وتحصد أخرى بحكمة تامة، كلها دلائل واضحة على وجوب وجود ذلكم القدير ذي الجلال، وذلكم الخالق ذي الكمال، وتشهد شهادة قوية على كمال قدرته وعظيم ربوبيته، وعلى وحدانيته وكمال ربوبيته». (النوافذ 16).
كائنات حية
ان ما نراه من مظاهر كونية وحياتية إنما أصله ذرات جامدة لا واعية كما يقول النورسي، وفي تصور آخر فإن هذه الذرات التي تبدو جامدة وجاهلة إنما هي شحن ايجابية وسلبية (ما يسمى بالكواركات) وهي الجزيئات الممثلة لكل من النواة في الذرة ببروتوناتها وغيرها بالإضافة إلى الإلكترونات، وهذا يعني أننا لسنا أمام مادة قارة أو مستقرة، بقدر ما نحن أمام (حوادث) تصنعها شحنات في كل آن، ومن هذه الحوادث الآنية تتشكل الموجودات وتتألف الكائنات الحية وغير الحية ويتولد النظام والشعور والحكمة، أو ما سماه العلماء بالتناسق والبساطة والروعة، ومن هذه الذرات أو الحوادث التي تشير إلى معاني القيومية والخلق الدائم المستمر والإيجاد والإمداد المستمرين يتم في كل حين إبراز عوالم وحصاد عوالم بحكمة وتناسق واتزان، عوالم من الكائنات والحوادث والوعي والشعور، وكل ذلك يشير إلى وجوب وجود خالق مدبر حكيم كامل الربوبية شامل الرحمة واحد لا شريك له لانتفاء التخلف عن النظام والاتزان.
ويقول النورسي: «إن جميع الأنبياء عليهم السلام الذين هم أصحاب الأرواح النيرة في النوع الإنساني مستندين إلى معجزاتهم الظاهرة الباهرة وجميع الأولياء الذين يمثلون أقطاب القلوب المنورة معتمدين على كشفياتهم وكراماتهم، وجميع الأصفياء العلماء الذين يمثلون أرباب العقول النورانية مستندين إلى تحقيقاتهم العلمية، يشهدون جميعاً على وجوب وجود الواحد الأحد الخالق لكل شيء، ويدلون على كمال ربوبيته ووحدانيته، وهذه النافذة واسعة جداً ومنورة ومضيئة ساطعة، وهي مفتوحة أبداً لإظهار ذلك المقام الرفيع للربوبية». (النوافذ 17)
فبعد قراءة الكون وظواهره يعود بنا النورسي إلى ظاهرة مهمة جداً، وهي سيطرة عالم الغيب على العقل الإنساني منذ أقدم الأزمنة المعروفة حتى الآن، بل قد أثبتت الدراسات الحديثة أن التوحيد (الإله الواحد) قد سبق تعدد الآلهة، بحيث يمكن اعتبار التعدد نوعاً من التشوه أو الاضطراب الذي أصاب عقيدة الإنسان، وحتى الوثنيات المعروفة عبر الزمن يمكن اعتبارها أدياناً مشوهة تنطوي على شكل ما من الغيب وقد زاد فيه الخيال وأنقص منه العقل ما يريد، لقد فشلت جميع النظريات التي حاولت أن ترجع نشأة الدين إلى عوامل نفسية أو اجتماعية أمام المكتشفات الحديثة التي كلما رجعت إلى الوراء عبر الزمن وجدت صوراً تزداد وضوحاً وألقاً لتوحيد إله ليس كمثله شيء، والنورسي يشير إلى ثلاثة أصناف من البشر ما خلت الأرض منهم يوماً، الأنبياء والأولياء والعلماء.
العلم والمعرفة
فالأنبياء أصحاب قلوب نيرة وأرواح مطهرة لتلقي الوحي الإلهي، وقد بهروا الناس دائماً بأخلاقهم الراقية وقيمهم النبيلة وشرائعهم التي تحمل كل خير ومعجزاتهم التي تنبه العقل الإنساني إلى أن اطراد الظواهر الكونية وألفتها لا يلغيان عظمتها، والى أن مسير الحوادث قادر على إيقافها وتعطيلها فهي ليست من قبيل القوانين التي تحد من قدرته جل وعلا، والأولياء هم السابقون من أتباع الأنبياء يمثلون امتداداً لهم ولقيمهم وأخلاقهم والالتزام بشرائعهم، ما يجعلهم أهلاً للكرامات التي هي امتداد من المعجزات وظل لها لا تقع إلا لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى.
وأهلاً للكشف وهو نوع من العلم أو المعرفة تلقى في القلب وقد سماها فلاسفة الغرب بالحدس أو الوعي الباطني، وقد رأينا أمثال والتر ستيس ومحمد إقبال يرجحان الكشف والحدس على الأدلة العقلية المنطقية في الاستدلال على وجود الله لشدة وضوحها وفرض نفسها على باطن كل امرئ يقدر على الإنصات إلى داخله، ثم العلماء الذين يجمعون بين التحقيق العلمي والكشف الباطني، فنحن أمام ثلاثة نماذج من الداعين الدالين على وجود الخالق الحكيم.
