الكفر بالنعم يفسد على الإنسان أموره ويبدل الأحوال ويضعف القوة، فلو قدرنا نعم الله حق قدرها واستعملناها في وجوهها لما شكونا شراً ولا فساداً ولا تحكماً ولا استبداداً، فلقد أمر الله عباده بشكره تعالى ليوقنوا بفضله ويعلموا أن كل خير معطيه وكل فضل هو موليه.

وقد أنعم الله عليك أيها الإنسان بنعم كثيرة وجاد بخيرات وفيرة غفلت عنها وجهلت حكمتها، أعطاك العقل وميزك به عن الحيوان، وأرسل لك الرسل يرشدونك للحق وخالص الإيمان، منحك القوة والعافية وصحة البدن وسلامة الأعضاء، خلق لك عينين ولساناً وشفتين، وعلمك البيان والإفصاح عن قصدك بالكلام، خلق لك أرضاً تقلك وتنبت لك الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات وتستخرج منها المعادن والخامات وتجرى فيها الأنهار وتنبع الآبار بالماء الزلال. خلق لك سماء تظلّك فيها الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره تمدك بالنور والضياء والحرارة، وفيها جمال وجلال وقدرة وإتقان الله، هو الذي أوجدك وأنشأك وأطعمك وسقاك ورزقك وكساك وأخضع لك أغلب الكائنات وسخر لك الحيوان وفضلك على كثير من خلقه، وهداك للإسلام، فوجب علينا شكره تعالى على ما أنعم ولزمنا حمده والثناء عليه بما تفضل به وتكرم، فقد جاد على عباده بالنعم وهو الغنى عنهم ووهبهم الخير وهو ليس فى احتياج لهم فليس فى شكرك لمولاك منفعة واصلة إليه وليس فى كفر نعمته ضرر عائد عليه، إنما ينتظر الشكر منك. مخلوق مثلك أسداك جميلاً إنما يتقاضاك الثناء. عبد أدى إليك معروفاً فهو يحب أن تمدحه بما فعل وتشكره على صنيعه ليعظم جاهه وترتفع مكانته، أما الخالق العظيم أزلاً ولا يزال الجليل القوي شديد المحال فهو منزه عن الغرض مبرأ من الغايات، فإن شكرت فإنما تبرهن بشكرك عن فهمك للنعمة وتقديرك للمنعم، إن شكرت فقد وجهت النعمة وجهة الخير والنفع واستعملتها فيما يسعدك ويسعد العباد، إن شكرت استقامت الأمور وانعدمت الشرور وضعف الباطل والزور.

والعبد ليس بيده أمر وإنما هو سبب من الأسباب، وأن الناس لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا حياة ولا موتاً، وأن الله وحده هو الرزاق ذو القوة المتين، يعطي ويمنع ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ويغني ويغفر فالشكر تقديس الله وتوحيده وإفراده وتنزيهه ولذلك قرنه الله بالذكر وأمرنا به فالشكر أساس التوحيد تنزيه وتفريد فهل يكفي فيه الثناء باللسان ؟ والمدح بالقول والكلام ؟ لن تكون شاكراً لأنعم الله إلا إذا برهن عملك على إقرار بالنعمة ونطقت أفعالك بتقدير المنة لن تكون شاكراً إلا إذا اشتركت جوارحك فى الشكر وساهمت أعضاؤك بالتسبيح والحمد فالشكر صرف النعم فيما خلقت له واستعمالها فيما شرعت لأجله لتظهر فائدتها وتتم حكمتها ويجني العباد منافعها فإن شكرت بقلبك وعملك فأنت من الفائزين.

الصحة والشباب نعمة وشكرها أن تسعى على نفسك وأهلك وتخدم دينك ووطنك وتؤدي واجبك، وكفرها أن تضيعها في السهر أو الكسل والتسكع والخمول أو تتطاول بقوتك على الضعفاء وتؤذي المسالمين البسطاء.

القلب نعمة جحدها بالغل والحسد والضغينة. العين نعمة ترينا الموجودات وتهدينا للسبل والسمع نعمة توصل لك الأخبار فلا تفتحها للغيبة، واللسان نعمة تعينك على التفاهم ويترجم عن ضميرك وشكره أن تذكر به مولاك أو تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر أو تقول خيراً وكفره السب والشتم والاغتياب والذم.