قال الشيخ: ومن نوافذ النورسي على الإيمان قوله: إن إيجاد مركبات منتظمة لا تعد ولا تحصى من عناصر جامدة بسيطة التركيب يشهد شهادة قاطعة بعدد المركبات على ذلك الخالق القدير الواجب الوجود سبحانه ويشير إشارة صريحة إلى وحدانيته، فضلا عن أن مجموعها العام يبين بيانا باهرا كمال قدرته ووحدانيته(النوافذ 16).
فالعالم كله بموجوداته الحية والجامدة وبكل مظاهره وأشكاله إنما يرجع إلى 114 عنصرا رتبها مندلييف في جدول بحسب عدد الالكترونات في جزيئاتها، وهذا يعني أننا أمام ما لا يعد ولا يحصى من أشكال المركبات والموجودات المستقرة الجامدة والحية وهذه الأخيرة بكل تظاهراتها الحيوية، إنما ترجع إلى عدد محدود من العناصر وفي هذا إعجاز لا يقدر عليه إلا خالق قدير واحد حيث تتجلى القدرة والحكمة مع الوحدانية في هذا النظام البديع الذي يعتبر أساسا لكل الموجودات، والوحدانية هنا دليلها الاضطراد المطلق حيث لا خلل ولا تخلف عن القوانين المستقرة، وهذا يستتبع وحدانية الخالق والمدبر، اذ لو وجد خالقان أو مدبران لأمكن حدوث الاختلال أو التخلف وهذا من بدهيات العقول التي لا ينكرها عقل سليم.
يقول النورسي: كذلك مايشاهد من (تمايز) واضح و(افتراق) كامل أثناء تجدد الموجودات بالتحليل والتركيب رغم كونها في منتهى الاختلاط والامتزاج يدل دلالة واضحة على ذلك الحكيم المطلق الحكمة، والعليم المطلق الحكمة، والعليم المطلق القدرة، ويشير إلى وجوب وجوده سبحانه وكمال قدرته (النوافذ 16).
ففي التجدد على مستوى المواد العضوية والحية، تحلل ثم امتزاج واختلاط ثم افتراق وتمايز، والأمر يتم باضطراد ساحر معجز لا خلل ولا تخلف فيه، الا ماكان من قبيل الاستثناء النادر الذي يشير إلى القاعدة ويؤكدها بدل أن يلغيها، فعلى سبيل المثال هناك مايسمى بالخلايا الجذعية وهي الخلايا غير المتمايزة وهي أصل كل الأنسجة والأعضاء على اختلاف أنواعها ووظائفها، وهذه الخلايا انما تنشأ عن انقسام البويضة الملقحة، وهذا يعني أن حيوانا منويا من ذكر وبويضة من أنثى ينفصلان (تحلل) ثم يمتزجان ثم يؤلفان نسيجا من الخلايا القادرة على توليد كائن جديد بكامل أعضائه ووظائفه وأنسجته التي قد تبلغ في بعض الكائنات مئتي نوع من الأنسجة المختلفة، أليس في هذا علم وحكمة ينبئان عن وجوب وجود مقدر ومدبر عليم وحكيم.
ويعلق النورسي: خذ مثلا تسنبل الحبوب المدفونة في جوف الأرض، ونمو أصول الأشجار إلى نباتات مختلفة وأشجار متباينة رغم الاختلاط والتشابك، وكذلك تميز المواد المختلفة الداخلة في النباتات والأشجار المتنوعة إلى أوراق زاهية وألوان جميلة وثمار لطيفة رغم الامتزاج الشديد، بل حتى تمايز وتجزؤ المواد الغذائية الدقيقة الداخلة في حجيرات الجسم بحكمة كاملة وميزان دقيق رغم الامتزاج والاختلاط.(النوافذ 16).
فان عدت إلى أصل كل النباتات مثلا من العشب الأخضر إلى سنابل القمح إلى الأشجار المثمرة بألف لون وطعم ورائحة لوجدت أن الأصل واحد من حيث التركيب الذري ثم ان الجزيئات تتمايز بعد اختلاط ذراتها لتعطي عددا لا نهاية له من نباتات اطعام وزينة بكل جمال ولطف، ثم ان هذه الكائنات عندما تموت وتتفسخ تتحلل وتختلط ذراتها وتمتزج امتزاجا شديدا، الا أنها تعود إلى الافتراق والتمايز بحكمة لا يفسرها الا وجود رب قدير مطلق العلم والحكمة والرحمة.
ثم انظر إلى الطعام الذي نأكله كيف يهضم ويتحول إلى أجزاء يذهب كل منها إلى الخلية التي تحتاجه، ثم كيف يتم تحليل هذه الأجزاء داخل كل نوع من الخلايا حسب برنامج واضح ونظام محدد، لا تخلف فيه ولا اختلاف، تلك سنة الله في خلقه وهي سنة مضطردة إنما تتم بإمداد آن مستمر من رب العزة وهو معنى من معاني القيومية المطلقة.
إن من أخطاء الإنسان المعاصر أنه عندما اكتشف (الكيفيات) ظن أنه ملك مفاتيح الكون والخلق، مع أنه عاجز عن محاكاة ما علمه فكيف وقد أقر أكثر العلماء أننا لا نعرف من أسرار الوجود أكثر مما تحمل الإبرة من ماء البحر إن غمست به ثم أخرجت منه.
