من الأمور الأساسية التي لا يختلف عليها اثنان أن الإسلام في حقيقته رسالة تنويرية تهدف إلى بناء الإنسان بناءً سليماً حتى يستطيع أن يؤدي الدور المنوط به في هذا الوجود على أكمل وجه، وقد جاءت تعاليم الإسلام كاشفة للإنسان عن الطريق الصحيح المؤدي إلى مساعدته على أداء دوره في هذه الحياة، وهو دور ينبني على العلم الذي يفتح للإنسان آفاقاً واسعة تؤهله لعمارة الكون وصُنع الحضارة فيه. والحضارة تعني الرقي المادي والمعنوي على السواء، ومن هنا جعل الإسلام طلب العلم فريضة من الفرائض التي لا تقل في أهميتها عن الصلاة والصوم والزكاة والحج.

ومنهج التنوير الإسلامي، هو المنهج الملائم لمجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة، للأخذ بيدها إلى طريق النور والحرية، حتى ينعم أبناؤها بالخير والاستقرار، وينطلقوا بحرية نحو آفاق رحبة من التقدم والازدهار، وبذلك يواكبون عصرهم ويحافظون ــ في الوقت نفسه ــ على هويتهم التي أصبحت في عصر العولمة مُعَرَّضة لأخطار لا يعلم مداها إلا الله.

إن مصطلح التنوير بالمعنى الذي يُستخدم به اليوم مصطلح حديث نسبياً في اللغة العربية، ولكنه ليس غريباً عنها، فهو مشتق من النور الذي هو ضد الظلام وضد الجهل الذي هو شكل من أشكال الظلام.

المفهوم الإسلامي

يقوم المفهوم الإسلامي للتنوير على قاعدة راسخة من الإيمان بالعلم؛ فهو مفهوم مصطبغ بالصبغة القرآنية، منصرف إلى حقيقة التنوير وطبيعته الأصلية، التي تجمع بين (تنوير العقل) وبين (تنوير القلب) بالإيمان بالله أولًا وابتداءً، وفي المقام الأول. وبالعلم الذي لا ينفصل عن الإيمان، في تكامل وترابط، وانسجام بين وظيفة كليهما، فليس المعوّل عليه في التنوير بالمفهوم الإسلامي هو العقل المجرد غير المهتدي بنور الإيمان، وبالقدر نفسه لا ينفع المرء إيمانه إن لم يستخدم ما وهبه الله من نعمة العقل في التفكير والتدبُّر والتأمل وتصريف الأمور على الوجه الذي يحقق المصلحة العامة التي تنفع الناس وتمكث في الأرض.

إن التنوير الإسلامي هو تنوير للعقل والقلب، في توازن دقيق وتناغم متكامل. يقول الشيخ محمد عبده في تبيان مكانة العقل في الحضارة الإسلامية: «إن الإسلام أطلق سلطان العقل من كل ما كان قيده، وخلّصه من كل تقليد كان استعبده، وردّه إلى مملكته يقضي فيها بحكمه وحكمته، مع خضوع ذلك لله وحده، والوقوف عند شريعته، ولا حدَّ للعلم في منطقة حدودها، ولا نهاية للنظر يمتد تحت بنودها».

التنوير في القرآن

إذا تصفحنا آيات القرآن الكريم سنجد أن هذه الكلمة لم ترد في القرآن الكريم بهذا اللفظ تحديداً، لكن مادتها الأصلية تتكرر خمسين مرة تقريباً. هي مشتقة من النور. يقول الله تعالى: «قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ» (المائدة: 15). والنور هو ما يهدي إليه الشرع، أو يهدي به، ولهذا كان النور والهدى جزءا من الرسالات الإلهية جميعها، قال الله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ» (المائدة: 44). والنور بعض من التنزيل في القرآن الكريم، يقول الله تعالى: «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (الأعراف: 157). والله سبحانه وتعالى يقول: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ» (النور: 35). والنور بعض من هديه: «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ» (النور: 35).

والله مصدر الأنوار كلها وهو خالقها وما فيها: «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ» (النور: 40). وغاية المؤمنين أن يتم الله لهم نورهم: «يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (التحريم: 8). وغاية الكافرين أن يطفؤوا نور الله «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (الصف: 8). والنور هو المكافأة التي ينالها أكرم الخلق من الشهداء، «وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ» (الحديد: 19).

والنور حجة على الناس أولهم، «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍَ وَلا هُدىً وَلاَ كِتَابٍ مُنِير» (لقمان:20). وبالتأمل في هذه الآيات القرآنية، نجد أن المشيئة الإلهية هي التي تتولى إخراج الإنسان من الظلمات (وليست الظلمة الواحدة) إلى النور (وليست الأنوار) وتلك هي الهداية الربانية للإنسان. ونلاحظ في هذا السياق أيضاً أن الخروج من الظلمات إلى النور ــ أي الهداية ــ لا يتم إلا بإذن الله.