يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: «وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وأسقيناكم مَاءً فُرَاتاً»، المرسلات: 27، وفي هذا المجال يذكر الدكتور أحمد مليجي أستاذ الجيولوجيا والبيئة بالمركز القومي للبحوث بالقاهرة أنه لم يكن أحد يعلم أهمية الجبال في عملية سقوط الأمطار إلا حديثاً، حيث تصطدم السحب في قمم الجبال الشوامخ فتسقط ماءً نقياً فراتاً، فالسحب المنخفضة لا يزيد ارتفاعها على 600 متر فوق سطح الأرض، وتسمى السحب الطبقية أو السحب البساطية، وتتكون عندما يرتفع بخار الماء المحمول من البحار إلى الجو بواسطة الرياح، وعند اعتراض الجبال لهذه السحب يصعد الهواء الدافئ الرطب فوق منحدر الهضاب، أو على رؤوس الجبال، فيبرد الهواء بالتمدد، ويكون هذا سبباً في تكثُف بخار الماء، فيبدأ المطر بالتساقط، ويهطل بغزارة حول الجبال وعليها.
وتحتضن الجبال مجموعات كبيرة من الأعشاب والنباتات الطبية، ولقد قدرت بعض الأعشاب في بعض الدول بأكثر من 600 نوع، وتوصل العلماء إلى الأهمية القصوى للتداوي بالأعشاب والمنتجات النباتية الجبلية كصيدلانية متكاملة تحقق العلاج للإنسان من العديد من الأمراض وتجنبه الآثار السلبية من الإفراط في الأدوية المحضرة، فقد انتشرت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة العلاج بالأعشاب والنباتات الطبية في كثير من دول العالم، وإجمالًا نستطيع أن نقول ان الأماكن الجبلية تحوي منتجات نباتية عظيمة القيمة الغذائية، كما تمثل صيدلانية متكاملة ممتلئة بأجود أنواع الأعشاب الطبيعية التي تخرج من أحضان الطبيعة، والتي تستخدم في علاج الكثير من الأمراض.
وعن الجبال يقول سبحانه: «وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْل أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»، (سورة النحل: 68). لقد ألهم الله عز وجل النحل لصنع بيوتها من ثلاثة أمكنة على نفس ترتيب الآية: الجبال، والشجر ومما يعرشون، ولذلك نجد أن أكثر بيوت النحل في الجبال ثم الشجر ثم فيما يعرش الناس ويبنون بيوتهم وذلك حتى يتيح للحشرة الصغيرة الاستفادة من البيئات المختلفة وإنتاج عسل مختلف اللون والتكوين فيه شفاء للناس.
وأرقى وأجود أنواع العسل هو عسل نحل الجبال لما يحويه من المعادن الجبلية المهمة مثل عنصر الحديد ثم عسل نحل الشجر ثم عسل نحل البيوت بالترتيب الذي أشار إليه المولى عز وجل. وأصبح أخيراً حليب الإبل الجبلية التي ترعى على المراعي الطبيعية في الجبال محط أنظار العالم، بعد أن أقرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أنه غذاء صالح لكل العالم، وهذا إعجاز علمي وضحته سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم: فعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا اجْتَوَوْا فِي الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ يَعْنِي الإبل فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلَحَتْ أَبْدَانُهُمْ ...» رواه البخاري.
