قال الشيخ: يقول النورسي في نوافذه على الإيمان: إن نمو الأجسام بخطوات هادفة مطردة وتجهيز كل منها بأنواع من الأجهزة المتوجهة معا إلى تكوين الثمار، وكأنه توجه شعوري، يجعل كل جسم نام بأجزائه ومجموعه،يشهد لذلك الصانع الحكيم ويشير إلى وحدانيته، ويدل دلالة أعظم على قدرته المحيطة وحكمته الشاملة وصنعته الجميلة وربوبيته الكاملة. (النوافذ 14).
فمن المعروف اليوم أن (النمو) في الإنسان والحيوان والنبات إنما يحدث بنفسه دون اكتساب من البيئة، فالإنسان ينمو حركيا وعصبيا لوحده مادام يأخذ من بيئته مجرد التغذية والحماية، وقل مثل ذلك عن كل حي على سطح الأرض، وفي هذا النمو تشهد الغائية الرائعة من حيث توجه الأجزاء إلى تحقيق التكامل في أداء الوظائف المعقدة والبسيطة وهذا ما عناه النورسي بقوله كأنه توجه شعوري، أي كأن الأجزاء تعي حركتها في نموها باتجاه تحقيق الغاية، والأجزاء هنا بدءا من الذرات إلى الجزيئات إلى الخلايا إلى الهرمونات إلى الأنسجة إلى الأعضاء، هذا التناغم أو التناسق الرائع في نمو هذه الأجزاء نحو تكوين كائن متكامل ومتفرد دون اكتساب أو تعلم هو شهادة أخرى على صانع حكيم ذي قدرة وربوبية شاملة.
ويقول النورسي: إن إيداع النفس في الجسد وتمكين الروح من كل كائن حيواني بحكمة تامة، وتسليحه بأسلحة متنوعة، وتزويده بأعتدة مختلفة بنظام كامل وتوجيهه إلى مهمات جليلة واستخدامه في وظائف متنوعة يشير إشارات بعدد الحيوانات بل بعدد أجهزتها وأعضائها إلى وجود ذلك الصانع الحكيم، ويشهد على وحدانيته، مثلما أن مجموعها الكلي يدل دلالة ساطعة على جمال رحمته وكمال ربوبيته (النوافذ 14).
وعي
لقد صار بيننا اليوم أن الأساس البيولوجي ليس كافيا لتفسير الحياة والوعي والذات، وهناك حالات كثيرة تتوقف فيها الحياة دون أي تخريب أو اضطراب فيزيولوجي، إن الهوية، الأنا، شيء آخر غير مادة الجسم في كل حي، انه الروح التي تمكن من الجسم لتستخدم كل آلاته في تحقيق وظائفها وغاياتها، ومنها ما هو جليل ومتعال يتعارض مع نزوع العضوية لإشباع حاجاتها أو للحفاظ على نفسها، لو أن الأمر مجرد عضوية مادية لما تجاوزت حاجتها وحرصها على البقاء لغايات من قبيل المثل العليا والآخرة، والنورسي هنا يرى جمال رحمته سبحانه وتعالى في تمكين الروح من الجسم وتزويدها بالأسلحة والوسائل التي تمكنها من أداء أغراضها الدنيوية والعلوية، ويرى كمال ربوبيته في مده مخلوقاته بكل مايلزمها لتحقيق منافعها الأرضية والأخروية.
غيبة
ويقول النورسي: إن جميع الإلهامات الغيبية التي ترشد قلوب الناس وتفقهها بالعلوم والحقائق، وتعلم الحيوان الاهتداء إلى توفير ما يحتاجه من حاجات... هذه الإلهامات الغيبية بأنواعها المختلفة تشعر كل ذي بصيرة بوجود رب رحيم وتشير إلى ربوبيته(النوافذ 14).
يتحدث بعض العلماء عن (الغريزة)، وهي سلوك معقد غير واع وغير مكتسب تمارسه الأحياء لتحقيق غاية، ومثاله عملية المص عند المولود الجديد، وعملية بناء العش عند الطيور وغيرها، ان هذه الغائية وراء سلوك معقد غير واع وغير متعلم لا يمكن وصفه إلا بما وصفه به النورسي :الهام غيبي نجده لدى الحيوان كما نجده عند الإنسان، بل اننا نجد عند الإنسان ما يزيد عليه من حدوس والهامات واشراقات وكثير مما يلقى في القلب مما يعرفه كل الناس ويتعارفون عليه وان سموه بأسماء شتى، هذه الإلهامات على اختلاف أنواعها ومراتبها دليل وجود رب رحيم يكلأ كل مخلوقاته بعنايات وألطاف تحقق لها الاشباعات والغايات والراحات الانشراحات.
من التجارب التي تشير إلى هذه الالهامات أن قطة أخذت قطيطاتها في سفينة في عرض البحر راحت تموء بألم وتقفز بانزعاج واضح عندما ذبحت بناتها بعيدا عنها وسط المحيط، فكيف يفسر هذا بدون اعتماد ما أسماه النورسي بالإلهامات الغيبية من اله شامل الربوبية وكامل الرحمة.
