بالأمس القريب فقدت إمارة عجمان ودولة الإمارات واحداً من رجالاتها المخلصين الصالحين الأتقياء الكرماء، حبيب بن الشيخ محمد الكمالي ــ رحمه الله ــ الذي ينتمي إلى أسرة كريمة هي أسرة الكمالي المعروفة بالعلم الشرعي والقضاء بين الناس منذ القدم، وهو ابن أخ العلامة الشيخ عبدالرحمن الكمالي ــ رحمه الله ــ المعروف بعلمه وتقواه وورعه، وكان قد أسس ــ رحمه الله ــ مجموعة كبيرة من المدارس والكتاتيب التي تعلم فيها الآلاف تلاوة القرآن وحفظه وتجويده.
فقيدنا حبيب بن الشيخ محمد الكمالي كان رجلاً كريماً بشوشاً فتح منزله ومجلسه على مدار أكثر من أربعين عاماً، وبشكل يومي يستقبل الأقارب والجيران والمحبين وعابري السبيل، والأهم من ذلك ابتسامته التي لم تفارقه يوماً من الأيام حتى وهو على فراش المرض في أيامه الأخيرة.
لم يكن الشيخ من الأثرياء ولم يكن رجل أعمال، بل كان موظفاً بسيطاً لكنه ينطبق عليه المثل القائل (الغنى غنى النفس) و(القناعة كنز لا يفنى)، فمجلسه كان عامراً بالشاي والقهوة والحلوى العمانية والفواكه، حيث كان يفرح بضيوفه، فإذا ما صادف وجود ضيف جاء من مكان بعيد فإن كل من يحضر في المجلس سيكون مدعواً إما للغداء أو للعشاء في منزله احتفاءً بالضيف، وإذا دخل مجلسه محتاج أو ضعيف الحال رأيته يمد يده إلى جيبه دون أن يراه أحد ليعطيه ما قسم الله له، فقد كان محباً للفقراء يسأل عنهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم.
كان الفقيد ــ رحمه الله ــ معروفاً بالنصح والإرشاد والتوجيه لمن رأى فيه تقصيراً أو خطأ، وكان يوصي الصبية والشباب ممن يزورون منزله أو مجلسه بتقوى الله والتزام صفات الرجولة وعدم ترك العادات والتقاليد الأصيلة والموروثة، وكان يشجعهم على الزواج والاستعجال به تماشياً مع الفطرة السليمة وحفاظاً على دينهم وتكثيراً لسواد أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
كان الشيخ وصديق عمره محمد إسماعيل الأنصاري ــ رحمهما الله ــ من المعروفين بالدعابة والنكتة المقبولة والابتسامة، لا يجلسان مجلساً إلا أشاعا فيه جو المرح والفرح والسرور، وكان ــ رحمه الله ــ عند خلو المجلس من الضيوف يشغل وقته بتلاوة كتاب الله وتدبر معانيه وقراءة أمهات الكتب التي جمعها في مكتبته، وكان فقيهاً في أمور الشريعة، ويلاحظ ذلك من خلال الأحاديث والمناقشات اليومية التي تدور في مجلسه، كيف لا وهو نجل المغفور له بإذن الله الشيخ محمد الكمالي، وعمه المغفور له بإذن الله العلامة الشيخ عبدالرحمن الكمالي، وأخوه المغفور له بإذن الله الشيخ يحيى الكمالي قاضي نجا بمحافظة مسندم بسلطنة عمان.
يقول أحد رواد مجلسه ــ منذ سنوات طوال ــ وهو أحمد عبدالمجيد: بفقدنا هذا الرجل، أحس أننا أصبحنا أيتاماً، فقد كان حبيب الكمالي والداً وأخاً وناصحاً ومعلماً تعودنا مجلسه وابتسامته ونصائحه ومداعباته وروحه المرحة، حيث كان مجلسه ملتقى الأهل والأصحاب والإخوان والجيران، فإذا أراد شخص توزيع بطاقة للأفراح أحضرها لمجلسه، وإذا أراد أن يقابل شخصاً لم يلتق به من الأهل والأقارب التقى به في مجلسه، وإذا أردنا أن نعرف أخبار الأصدقاء والمحبين ذهبنا إلى مجلسه ــ رحمه الله.
وكم أشرف الفقيد على مجالس الصلح بين المتخاصمين وتدخل لإصلاح ذات بينهم، وكم مرة فتح منزله ومجلسه لإقامة الولائم والمناسبات لمن لا يملك المكان الكافي أو الملائم لمناسبته وذلك بطيب نفس ومحبة واحترام للجميع ــ وقد خلف من الأبناء المستشار محمد حبيب الكمالي رئيس محكمة الشارقة الابتدائية والمستشار الدكتور أحمد حبيب الكمالي من أسرة النيابة العامة وابنتين متزوجتين.
رحم الله حبيب الكمالي وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
