الإنسان مطبوع على سرعة التأثر والانفعال بالقرناء والأصدقاء، فالصديق الصالح رائد خير وداعية يهدي إلى الرشد والصلاح، كما أن الفاسد رائد شر وداعية ضلال يقود إلى الغي والفساد.
والمتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنها حوت جميع مكارم الأخلاق التي اجمع عليها فضلاء ونجباء البشر ونبلاؤهم، حتى إنها لتجيب على كل ما يختلج في الفؤاد من أسئلة قد تبدو محيرة لمن لم يذق طعم الإيمان بالله تعالى من الذين كفروا، والغريب في الأمر أن بعضا من بني قومنا من المسلمين لا يحفلون بهذه الميزة العظيمة التي ميزنا الله بها وهي كون النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة حسنة رغم أنها تمثل الرادع الفعلي عن ارتكاب ما يخل بخلق المسلم، وهي المحرك الأساس إلى الارتقاء بالذات إلى معالي الأمور وقممها السامقات.
وقد ضرب لنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه خير مثل على الصداقة وحسن الصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان يجمع بينهما الارتباط النفسي والمصيري الذي اقتضته هذه الصحبة الفريدة، فنجد أبا بكر يعيش مع صديقه وحبيبه الرسول صلى الله عليه وسلم الحلو والمر، والسهل والصعب، والغنى والفقر، والأمن والخوف، قال تعالى عن الصديق رضي الله عنه:(إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذ هُمَا فِي الْغَارِ إذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) التوبة:40.
ذلك أن أعظمَ ما يعين المسلم على تحقيق التقوى والاستقامة على نهج الحق والهدى، مصاحبةُ الأخيار، ومصافاةُ الأبرار، والبعدُ عن قرناء السوء ومخالطة الأشرار، لأن الإنسان بطبعه وحكم بشريته يتأثر بصفيه وجليسه، ويكتسب من أخلاق قرينه وخليله.
والمرءُ إنما توزن أخلاقه وتُعرف شمائله بإخوانه وأصفيائه، كما قال عليه الصلاة والسلام (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) رواه أبو داود والترمذيُ بإسناد صحيح.
والصاحب أشبه ما يكون بمرآة النفس، تكشف محاسنها ومساوئها، قبحها وجمالها، وبقدر ما تكون نظيفةً صافيةً بقدر ما تعكس صورة صاحبها نقيَّةً من غير غشٍّ أو رتوش مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكفُّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه) رواه البخاري.
والصحبة الصالحة صمام أمان المتصاحبين، يعين بعضهم بعضاً على شؤون الدنيا والدين، فعن مالك بن دينار أنَّه قال لختنه (أي صهره): يا مغيرة، انظر كلَّ أخٍ لك، وصاحبٍ لك، وصديقٍ لك، لا تستفيد في دينك منه خيرا، فانبذ عنك صحبته، فإنَّما ذلك لك عدوّ.
ومن الحزم والرشاد، ورجاحةِ العقل وحصافةِ الرأي، إلا يُجالسَ المرء إلا من يرى في مجالسته ومؤاخاتِه النفعَ له في أمر دينه ودنياه، وإن خيرَ الأصحاب لصاحبه، وأنفعَ الجلساءِ على جليسه من كان ذا بِرٍّ وتُقى، ومروءةٍ ونُهى، ومكارمَ أخلاق، ومحاسنَ آداب، وجميلِ عوائد، مع صفاءِ سريرة، ونفسٍ أبية، وهمّةٍ عالية.... وتكمل صفاته ويَجل قدره حين يكونُ من أهل العلم والأدب، والفقه والحكمة.
أوصى احد الصالحين ولده لما حضرته الوفاة، فقال: يا بني! إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، واصحب من إذا مددت يدك للخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدَّها، وإن رأى منك سيئة سدَّها.
وقال بعض السلف: عليكم بإخوان الصدق، فإنهم زينة في الرخاء، وعصمة في البلاء. فالأخيار الأبرار الأتقياء إذا وُجدوا في مجتمع جذبوا أشباههم أو انجذبوا إليهم وسرى تيار المحبة بينهم. والصاحب ساحب.
قال صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)..لان الطبع يجبل من الطبع، والإنسان ابن بيئته، وهي حقائق لا مراء فيها، إذ من طبيعة الإنسان أن يتأثر بالوسط المحيط به والجماعة التي يتعايش معها.
