القرآن الكريم يعلّمنا أن كل أمرٍ في هذه الدنيا لا يمكن أن يسير إلا وفق مشيئته سبحانه وتعالى، وحسب قوانينه ودستوره فقال محدثا عن ذي القرنين: (.. وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً)!.. ولم يقل مثلاً: (وامتلك ذو القرنين كل شيءٍ سبباً)!.. أي أن المعنى ضمني بديهيّ، فبعد أن قام الملك الصالح باتخاذ الأسباب وفق سنن الله سبحانه وتعالى في أرضه.. استحق عندئذٍ التمكين، لأنّ كل شيءٍ يسير بعلم الله ومشيئته!.. وكل هذا التمكين حتى بعد اتخاذ الأسباب اللازمة من قبل المسلم.. هذا كله لا يتحقق إلا بمشيئة الله عز وجل وحده، لا بمشيئة أي قوّةٍ طاغيةٍ من البشر في الأرض مهما طغت وعَلت وتجبّرت، سواء أكان الطغاة داخليين على المستوى الوطني، أم خارجيين عالميين على مستوى العالَم!..
أولى خطوات النصر والتمكين :الالتزام بشرع الله ودستوره، وتحقيق العدل بين الناس (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً) (الكهف:87)، هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانية: (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً) (الكهف:88).
فالتمكين يكون بتحقيق شرع الله عز وجل ومنهجه، وإعلان دستوره العادل الصالح لكل زمانٍ ومكان، وشرع الله سبحانه وتعالى لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه، فهو العدل المحض، والحق الخالص.......... كيف؟!..
الظالم المعتدي ينبغي أن يحاسَب ويعاقَب في الدنيا قبل الآخرة كلما كان ذلك ممكناً، ويُقتَصَّ منه ويجرَّد من كل مسؤوليةٍ أو منصبٍ أو مهمةٍ موكلةٍ إليه، لأنه ظالم لا يستحق أن يحكمَ الناس أو أن يسوسَهم أو أن يتحمّلَ مسؤوليتهم ومسؤوليةَ شعبٍ وأمة!.. والموالون للظالمين ظالمون مثلهم، لا يمكن أن يحققوا العدل والحرية لشعوبهم، لأنهم بدأوا أول ما بدأوا بطريق الظلم والكيد وتولي الكافرين والظالمين والغاصبين، لذلك فإقصاء هؤلاء الظلمة واجب شرعي لا يمكن أن يتحققَ تحرير ولا عدل ولا حرية من غيره، أي: من غير إقصاء الظالمين ومَن يوالونهم ويتحالفون معهم، ويتآمرون على الأمة بالاستقواء بهم، ويضربون بسيف الظلمة الفاجرين، الذين يتسلّطون على العباد أو يحتلّون البلاد!..
ولا بد أيضاً من أن يُستكمَلَ الشق الثاني من عملية تحقيق العدل وهو: إكرام المؤمنين المجاهدين، والإحسان إليهم، ومدّهم بأسباب القوّة، ودعمهم بكل ما يمكن من أبواب الدعم، والتحالف معهم تحالفاً مصيرياً لصالح الأمة كلها، ومعاملتهم المعاملة الطيبة، وحفظ غيبتهم، والدفاع عنهم، وتيسير مهماتهم الجهادية بشتى أنواعها وصنوفها!.. كما ينبغي على الحاكم أو ولي الأمر (إذا أراد أن يكون عادلاً مؤمناً حقاً).. عليه أن يقرّب شرفاء الناس الأكْفَاء إليه، ويسلّمهم المهمات والمسؤوليات للقيام بأعباء الأمة، وخدمتها، والدفاع عنها، وعمارة أرضها، وبناء إنسانها وأوطانها!..
وهكذا.. فالأمة التي يجد فيها الشريفُ العفيفُ المؤمنُ المجاهدُ.. الكرامةَ والتيسيرَ والحسنى والموقعَ الذي هو أهل له.. والتي لا يجد فيها الظالم الفاسد المعتدي الخارج عن أسس التعامل الأخلاقي والقِيَمي والإنساني بين البشر.. إلا القصاص والتحجيم والإبعاد عن المواقع الحساسة وغير الحساسة.. هذه الأمة التي يكون فيها العزيز كريماً، والوضيع شقياً مُهاناً (كما يستحق).. هذه الأمة تستحق نصر الله وتأييده وتمكينه، ولا تمنعها عن ذلك أية قوةٍ في الأرض مهما بلغت، لأن قوّة البشر والطغيان والاحتلال والاغتصاب مهما بلغت.. لن تصل إلى مستوى قوّة الله عز وجل القويّ الجبار!..
زوال الباطل والظلم
فهل نختار التحالف مع قوّةٍ بشريةٍ طاغيةٍ باغيةٍ ظالمة، أم مع قوّة الله عز وجل التي لا تغلبها قوّة في هذا الكون؟!.. وهل يتجاهل المسلمون قوّة الله الأعظم، لتحقيق التحرير وعمارة الوطن والأرض، ويلهثون وراء القوى البشرية الطاغية؟!.
الظالمون وأذنابهم، لن يحققوا شيئاً ولا نصراً ولا نجاحاً، لأنّ من سنن الله عز وجل الراسخة: أن يزولَ الباطل والظلم، وتنتصر قوّة الله الجبار المنتقم في النهاية.. والعاقبة للمتّقين، فلنكن على ثقةٍ تامةٍ راسخةٍ لا تتزعزع، بأن نصر الله حين استحقاقه- آتٍ لا ريب فيه إن شاء الله مهما كانت الظروف قاسية، وما علينا إلا الانحياز إلى قوّة الله أولاً، والعمل الجاد لتحقيق شروط النصر والتمكين ثانياً!..
مشاهد من عدله وعلمه
عن أبي وائل، عن وهب قال: وجدت في بعض كتب الله عز وجل أن ذا القرنين لما فرغ من عمل السد انطلق على وجهه، فبينما هو يسير ومعه جنوده، إذ مر على شيخ يصلي فوقف عليه بجنوده حتى انصرف من صلاته.
فقال له ذو القرنين: كيف لم يروّعك ما حضرك من جنودي؟
قال: كنت أناجي من هو أكثر جنودا منك، واعز سلطانا، واشد قوة، ولو صرفت وجهي إليك لم أدرك حاجتي قبله.
قال له ذو القرنين: هل لك أن تنطلق معي فأواسيك بنفسي، واستعين بك على بعض أمري؟
قال: نعم إن ضمنت لي أربع خصال: نعيما لا يزول، وصحة لا سقم فيها، وشبابا لا هرم فيه، وحياة لا موت فيها.
فقال له ذو القرنين: وأي مخلوق يقدر على هذه الخصال؟
فقال الشيخ: فاني مع من يقدر عليها ويملكها وإياك.
ثم مر برجل عالم فقال لذي القرنين: اخبرني عن شيئين منذ خلقهما الله عز وجل قائمين، وعن شيئين جاريين، وشيئين متباغضين.
فقال له ذو القرنين: أما الشيئان القائمان فالسماوات والأرض، وأما الشيئان الجاريان فالشمس والقمر، وأما الشيئان المختلفان فالليل والنهار، وأما الشيئان المتباغضان فالموت والحياة... فقال: انطلق فانك عالم.
