الأسرة المسلمة نواة المجتمع الإسلامي وكيانه وهي ركيزة تقدمه وأساس بنيانه، وبصلاح الأسرة واستقامة أفرادها يصلح المجتمع الإسلامي ككل في دنياه وفى أُخراه.

ولكي نصل إلى هذا الإصلاح والنجاح داخل الأسرة لابد لنا من منهج قويم وتخطيط سليم وقدوة حسنة، ونموذج أخلاقي نهتدي بهديه ونتبع منهجه.

ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهديه هو طوق النجاة في هذه الدنيا لكل أسرة مسلمة وكيف لا وهو القائل «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا.. كتاب الله وسنتي».

والمتتبع لأحاديث رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، يجد أن مفرداتها كلمات ولكنها ليست كالكلمات إنها كلمات مضيئة يستنير بها القلب، وتنشرح لها النفس، وفيها منهج الحياة كي نسير فيها على ما يرضي الله سبحانه وتعالى.

ووصية رسولنا هذه المرة هي وصية تدخل السعادة على النفس وتزرع فيها الرضا والقناعة والاعتراف بنعم الله علينا.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تَزْدروا نعمة الله عليكم» متفق عليه.

يا لها من وصية نافعة، وكلمة شافية وافية. وهي تدل على الحث على شكر الله بالاعتراف بنعمه، والتحدث بها، والاستعانة بها على طاعة المنعم، وفعل جميع الأسباب المعينة على الشكر.

فالشكر لله هو رأس العبادة، وأصل الخير، وأوْجَبُه على العباد؛ فإنه ما بالعباد من نعمة ظاهرة ولا باطنة، خاصة أو عامة إلا من الله. وهو الذي يأتي بالخير والحسنات، ويدفع السوء والسيئات. فيستحق أن يبذل له العباد من الشكر ما تصل إليه قواهم، وعلى العبد أن يسعى بكل وسيلة توصله وتعينه على الشكر.

وقد أرشد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى هذا الدواء العجيب، والسبب القوي لشكر نعم الله. وهو أن يلحظ العبد في كل وقت من هو دونه في العقل والنسب والمال وأصناف النعم.. فمتى استدام هذا النظر اضطره إلى كثرة شكر ربه والثناء عليه. فإنه لا يزال يرى خلقاً كثيراً دونه بدرجات في هذه الأوصاف، ويتمنى كثير منهم أن يصل إلى قريب مما أوتيه من عافية ومال ورزق، وخَلْق وخُلُق، فيحمد الله على ذلك حمداً كثيراً، ويقول: «الحمد لله الذي أنعم عليَّ وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً».

فالإنسان إذا نظر إلى خلق كثير ممن سلبوا عقولهم، يحمد ربه على كمال العقل، ويشاهد عالماً كثيراً ليس لهم قوت مدخر، ولا مساكن يأوون إليها، وهو مطمئن في مسكنه، موسع عليه رزقه فيحمد الله على نعمته.

وإذا دخل الواحد منا إلى مستشفى أو دار للرعاية والعلاج لوجد خلقاً كثيراً قد ابتُلُوا بأنواع الأمراض، وأصناف الأسقام وهو مُعافى من ذلك، مُسَرْبل بالعافية منعم في صحة لا يكاد يشعر بها.

وإذا نظر المرء حوله لوجد خلقاً كثيراً قد ابتُلوا ببلاء أفظع من ذلك، بانحراف الدين، والوقوع في دوامات المعاصي. والله قد حفظه منها أو من كثير منها.

ويتأمل أناساً كثيرين قد استولى عليهم الهم، وملكهم الحزن والوساوس، وضيق الصدر، ثم ينظر إلى عافيته من هذا الداء، ومنة الله عليه براحة القلب، حتى ربما كان فقيراً يفوق بهذه النعمة، نعمة القناعة وراحة القلب، كثيراً من الأغنياء.