من أجلى الحقائق الإسلامية وضوحاً، وآكدها ثبوتاً، أن الله تعالى قد زكى القائمين على أمر الدعوة فقال سبحانه: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ). (فصلت: 33)، كما جعل سبحانه أفضل الأعمال وأعظمها يكمن في تحقيق الهداية للناس، وإلحاق الرحمة بهم، قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). (الأنبياء:107). بل لقد جعل الله القيام بمهمة البلاغ لرسالة النبوة، وحُسْن أدائها، السبيل الوحيد للنجاة في الآخرة، والعصمة الحقيقية من فتنة الناس في الدنيا، فقال تعالى: )(قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحد وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إلا بَلاَغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ). (الجـن: 22، 23). ولقد أكرم الله الأمة الإسلامية وشرّفها حيث جعلها شريكة مع رسولها الكريم في مهمة البلاغ المبين، قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أنا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). (يوسف: 108) من هنا ندرك أهمية الخطاب الدعوي في حياة الأمة المسلمة، وخاصة إذا علمنا أن أمتنا المسلمة تشكلت من خلال خطاب القرآن الكريم، فكان ولا يزال خطاب عقيدة ووعي وفكر.

وانطلاقاً من هذا المبدأ المقرر فإن الدعاة إلى الله لا بد أن يكونوا على مستوى الخطاب القرآني باستيعابهم للناس كافة وإلحاق الرحمة بهم. والذي أود أن أشير إليه في الدور المرتقب للدعاة في إبراز محاسن الإسلام وقيمه ومبادئه أن ينفتح خطابهم على الخاصة والعامة وفق الخطاب القرآني والبيان النبوي. على النحو الآتي:

 

انفتاح الخطاب الاسلامي

والدعاة لا يتجاهل خطابهم الدعوي أحداً من أهل المعاصي والذنوب، بل إن الدعوة لتتجاوز المذنبين والعاصين من أفراد الأمة المؤمنين، إلى الكفار والملحدين من الأمم الضالة الكافرة.

نعم إن الله تعالى كرّه إلى المؤمنين به الكُفر والفُسوق والعصيان، وحبب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، ولكن ليس من مقتضى ذلك أن يهمل خطاب المؤمن أهل الكفر وأهل المعصية والفسوق بالدعوة إلى الله.

ولقد وصفنا الله عز وجل بأنّا نحب غيرنا من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، مع بغضهم لنا، حين قال: (هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ). (آل عمران: 119)،

ولا يعني كوننا نحبهم أن نتخذهم أولياء من دون المؤمنين، ولكن يعني: أن نحب هدايتهم، وأن ندعوهم إلى الخير، الذي أنعم الله به علينا، وأن نُبصرّهم بمكائد الشيطان، ليُقبلوا على موائد الرحمن.

فإن كنا نحب هداية من أشرك وكفر، ونخشى عليه مغبة الكُفر والإشراك ثم غضب الجبار وسخطه، فمن باب أولى أن نحب من أذنب وأثم من أهل ملتنا، ومن ثم إلا يتجاهل خطابنا الدعوي العاصين والمذنبين من أهل الإسلام، بل الحق الصحيح أن نستغل العواطف الإيمانية في كل مؤمن للدفاع عن الدين، وإقامة الخير والبر في الأرض، وإصلاح الدنيا.

ومن الناس من يطالب اليوم أن لا نعامل أو نعاشر أو ندعو إلا أهل الصفوة من أهل التدين، وينادي بعضهم أن نعزل أو نفصل أو نهجر أهل المعصية من المؤمنين في كل الأحوال، وهذا خطأ كبير، لأن الصواب في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتوجيه العواطف الإيمانية الكامنة في النفوس، فندافع بهم عن الإسلام، ويذودون عن حياضه.

ذلك، لأنك قد تجد أحياناً مرتكب كبيرة أو شارب خمر غلبته شهوته ونفسه، يحب الله ورسوله، فكيف يُعزَل هذا أو يُفْصل أو يُهجَر؟! كالذي حدّه الرسـول (صلى الله عليه وسلم) في الخمر مرات، فيعود ويشرب، ومع ذلك لم يفصله النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يهجره، بل كان يمازح الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويضاحكه ويجالسه في المسجد، فما تضايق منه، وما اعتزله، وما تجاهله، ولما تضايق بعض الأصحاب منه، ومن كثرة شُربه، وكثرة إقامة الحد عليه فلعنوه، زجرهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأغضبه ذلك، فنهاهم وهو يشهد له بحبه لله ورسوله».

أخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، أن رجلاً كان على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) كان اسمه عبدالله، وكان يلقب حِمَاراً، وكان يُضْحك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد جلده في الشراب، فأُتِيَ به يوماً فأمر به فجُلِدَ، فقال رجل من القوم: اللهم ألعنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (لا تلعنوه، فوالله ما علمت، إنه يحب الله ورسوله)». وأخرج أبو يعلى أن حِمَاراً هذا كان يُهدي لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه، جاء به إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: أعط هذا متاعه، فما يزيد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبتسم، ويأمر به فيُعطى».

 

حديث شريف

في حديث محمد بن عمرو بن حزم: »وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا اشترى منه، ثم جاء فقال: يا رسول الله! هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه، جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (ألم تهده إليّ؟) فيقول: ليس عندي، فيضحك النبي (صلى الله عليه وسلم) ويأمر لصاحبه بثمنه«.

وهكذا هدم رسول الإسلام ومُعَلِّم الدعاة فكرة العزل أو الهجر للمذنبين، حتى لا يعين الشيطان عليهم.

وهكذا فعل أئمة العلم والدين من بعده، فقد روى أبو يوسف رحمه الله تعالى أن أباً حنيفة النعمان كان له جار، وكان يشرب في الحانة، ثم يرجع بالليل يتغنى ويقول:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا

يوم كريهة وسداد ثغر

فرجع ذات ليلة فأخذه الطائف فحبسه، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه، فقيل له: حبسه الطائف، فتكلم فيه أبو حنيفة حتى أُطلِقَ، ثم قال له: يا فتى! رأيتنا أضعناك.

إذن فالذي على الداعية الفقيه هو: استيعاب مثل هذا »المذنب« في العمل الإسلامي، باستغلال عواطفه وطاقاته المؤمنة في إحقاق الحق وإبطال الباطل، لأن في ذلك إتاحة له لاتباع ما اقترف من سيئات بحسنات الدفاع عن الحق، ونقلاً له من ساحات المعصية إلى ساحات الجهاد والرشاد والطاعة، وانتشالًا له من مستنقعات الرذيلة إلى رحاب الفضيلة، وتغييراً له من اتباع الهوى والخلود إلى الأرض، إلى اتباع الحق والارتقاء إلى الله.