قال الشيخ :يقول النورسي في نوافذه على الإيمان : وكذا الحال في النباتات الموزونة المنتظمة التي تفرش الأرض والبساتين والزروع، كل منها يدل على ذلك الصانع الحكيم، ويشير إلى وحدانيته بما تحمل من أزاهير جميلة، وما تنتج هذه الأزاهير من ثمار موزونة، وما على هذه الثمار من نقوش رائعة، فكما أن كلا منها على حدة يدل على الصانع فان مجموعها يظهر جمال رحمته سبحانه وكمال ربوبيته (النوافذ 13).
حكمة وعلم
ففي الأرض مائدة غنية من الخضروات والفواكه، وأزاهير ورياحين، وأشجار زينة وغيرها من ألف ألف نوع من النباتات، لكل منه جماله ودوره ووظيفته وموقعه في الكون من حيث اعتماده على غيره واعتماد غيره عليه، وقد ذكرت أن العلماء اليوم يقولون ان الجمال في هذه النباتات وغيرها من الكائنات موجود لذاته في قسم كبير منه، أي أنه يفيض عن الحاجات العملية التي يمكن أن يشبعها، وكل نبات أو زرع من هذه النباتات له قصته في التغذية والنمو والتكيف أو التلاؤم مع محيطه والخدمات التي يقدمها لما حوله ولمن حوله، ألا يشير كل ذلك إلى حكمة وعلم ورحمة وكرم لا يمكن الا أن ينسب إلى خالق عظيم، هو جميل ويحب الجمال، وقد أفاض من جماله على الكون قدر ما أفاض من عطاءاته الأخرى، وهو رب منعم حافظ مرب لكل مخلوقاته من الإنسان إلى أدنى المخلوقات.
ويقول النورسي :ثم ان هذه القطرات المسخرة لحكم غزيرة ولغايات سامية ومنافع جليلة وفوائد جمة والتي ترسل من السحب الثقال المتعلقة بين السماء والأرض، تدل بعدد القطرات على ذلك الصانع الحكيم، وتشهد على وحدانيته وكمال ربوبيته .(النوافذ 13).
قطرات تتوالد من سحب تسوقها الرياح التي يصرفها رب الأقدار، ثم يكون من هذه القطرات ري الناس والحيوان والنبات، آبار وأنهار وينابيع كلها تتغذى من هذه القطرات لتحقق ألف غاية ومنفعة وفائدة، صنعة حكيم وربوبية كاملة .
(وجعلنا من الماء كل شيء حي )...وأي حاجة للانسان كحاجته للماء، وهو ينزل من السماء ويخرج من الأرض في دورة بديعة لا يقدر عليها الا ذو قدرة وحكمة لا حدود لهما، ملح أجاج في ماء البحر ليعقم الأرض ولينظفها من كل فضلات ضارة مميتة، ثم ماء عذب فرات ينزل من السماء من تبخر مافي البحر ليسقي الزرع والضرع والانسان والحيوان، ولو زال ملح ماء البحر لأنتنت الأرض، وان ظمأ ذو فؤاد لم يروه ماء المحيطات، هل يمكن أن يكون كل هذا ابن الصدف والطبيعة العمياء ؟!
حب الجمال
يقول النورسي :ثم ان أنواع الأزاهير الجميلة اللطيفة المنثورة على التلال والروابي والصحارى، وقد أضفى عليها البهاء والجمال، كل منها يدل على ذلك الصانع الحكيم ويشهد على وحدانيته، مثلما أن مجموعها العام يدل على عظيم سلطانه وكمال ربوبيته، ثم ان أنواع الأوراق وأشكالها المنسقة واهتزازاتها اللطيفة الجذابة في النباتات والأشجار والأعشاب كافة تشهد بعدد الأوراق على ذلك الصانع الحكيم، وعلى وحدانيته وكمال ربوبيته(النوافذ 14).
ان خالق هذا الكون كما يبدو لكل مطالع ومتأمل جميل ويحب الجمال، الجمال في كل ركن وزاوية من هذا الكون يطالعه الانسان العادي كما يطالعه العالم المدقق، الجمال الفائض عن الحاجات العملية والموجود لذاته كما يقول العلماء، ليس وهما اختلقه الانسان ثم ارتاح اليه، انما هو جمال موضوعي من التشكيلات الهندسية الرائعة في ندف الثلج إلى منظر النجوم في صفحة السماء في ليلة صافية، وكما أن لكل مخلوق جماله الخاص ودوره الخاص وتلاؤمه الخاص مما يشير إلى صنعة القادر الحكيم اللطيف، فان جميع المخلوقات تؤلف معا تناسقا بديعا وتكاملا رائعا هو بمثابة الدليل الكافي والوافي على إله عظيم بذاته وصفاته وأفعاله وملكه، رب لطيف وجميل ورحيم وكريم.
